تفسير الميزان ج۱۱
146فلما طلع يوسف عليهن و وقعت عليه أعينهن طارت عقولهن و طاحت أحلامهن و لم يدرين دون أن قطعن أيديهن مكان الفاكهة التي فيها لما دخل عليهن من البهت و الذهول، و هذه خاصة الوله و الفزع فإن نفس الإنسان إذا انجذبت إلى شيء مما تفرط في حبه أو تخافه و تهوله اضطربت و بهتت ففاجأها الموت أو سلبت الشعور اللازم في تدبير القوى و الأعضاء و تنظيم الأمر، فربما أقدم مسرعا إلى الخطر الذي أدهشه لقاؤه و ربما نسي الفرار فبقي كالجماد الذي لا حراك به، و ربما يفعل غير ما هو قاصده و فاعله اختباطا، و نظائرها في جانب الحب كثيرة و حكايات المغرمين و المتولهين من العشاق مشهورة.
و كان هذا هو الفرق بين العزيزة و بينهن فإن استغراقها في حب يوسف إنما حصل لها تدريجا، و أما نساء المدينة فإنهن فوجئن به دفعة فغشيت قلوبهن غاشية الجمال، و غادرهن الحب ففضحهن و أطار عقلهن و أضل رأيهن فنسين الفاكهة و قطعن أيديهن و تركن كل تجلد و اصطبار، و أبدين ما في أنفسهن من وله الحب، و قلن: {حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}.
هذا و هن في بيت العزيز و هو بيت يجب فيه التحفظ على كل أدب و وقار، و كان يجب أن يتقينها و يحتشمن موقعها و هن شريفات ذوات جمال و ذوات بعولة و ذوات خدر و ستر و هذه كلها جهات مانعة عن الخلاعة و التهتك، و هن لم ينسين ما كنّ بالأمس يتحدثن به و يلمن و يذممن امرأة العزيز في حبها ليوسف و هما في بيت واحد منذ سنين.
فكان من الواجب على كل منهنّ أن تتقي صواحبها فلا تتهتك و هنّ يعلمن ما انجر إليه أمر امرأة العزيز من سوء الذكر و فضاحة الشهرة هذا كله و يوسف واقف أمامهن يسمع قولهن و يشاهد صنعهن.
لكن الذي شاهدنه على المفاجأة من حسن يوسف نسخ ما قدرنه من قبل في أنفسهن و بدل مجلس الأدب و الاحتشام حفلة عيش لا يكتم محتفلوها من أنفسهم ضميرا، و لا يبالي حضارها ما قيل أو يقال فيهم و لم يلبثن دون أن قلن: {حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} و قد قلن غير بعيد: {اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}.
و كلامهن هذا بعد قولهن ذاك إعذار منهن فمفاده أن الذي كنا نقوله قبل إنما هو

