تفسير الميزان ج۱۱
145و كان ذلك مكرا منهن بها على ما في طبع أكثر النساء من الحسد و العجب فإن المرأة تغلبها العواطف الرقيقة و الإحساسات اللطيفة و ركوز لطف الخلقة و جمال الطبيعة فيها مشعوفة القلب بالزينة و الجمال متعلقة الفؤاد برسوم الدلال، و يورث ذلك فيها و خاصة في الفتيات إعجابا بالنفس و حسدا للغير.
و بالجملة كان تحديثهن بحديث الحب و المراودة مكرا منهن بالعزيزة و فيه بعض السلوة لنفوسهن و الشفاء لغليل صدورهن و لمّا يرين يوسف، و لا شاهدن منه ما شاهدته العزيزة فولهها و هتك سترها و إنما كنّ يتخيلن شيئا و يقايسن قياسا، و أين الرواية من الدراية و البيان من العيان.
و شاع التحديث به في المسامرات حتى بلغ الخبر امرأة العزيز، تلك التي لا هم لها إلا أن تفوز في طلب يوسف و بلوغ ما تريد منه و لا تعبأ في حبه بشيء من الملك و العزة إلا لأن تتوصل به إلى حبه لها و ميله إليها و إنجاحه لطلبتها فاستيقظت من رقدتها و علمت بمكرهن بها فأرسلت إليهن للحضور لديها و إنهن سيدات و نساء أشراف المدينة و أركان البلاد ممن له رابطة المعاشرة مع بيت العزيز أو لياقة الحضور فيه.
فتهيأن للحضور و تبرزن بأحسن الجمال و أوقع الزينة على ما هو الدأب في أمثال هذه الاحتفالات من أمثال هؤلاء السيدات، و كلٌّ تتمنى أن ترى يوسف و تشاهد ما عنده من الحسن الذي أوقع على العزيزة ما أوقع و فضحها.
و العزيزة لا هم لها يومئذ إلا أن تريهن يوسف حتى يعذرنها و يشتغلن عنها بأنفسهن فتتخلص من لسانهن فتأمن مكرهن، و هي لا تعبأ بافتتانهن بيوسف و لا تخاف عليه منهن؛ لأنها على ما تزعم مولاته و صاحبته و مالكة أمره، و هو فتاها المخصوص بها، و هي تعلم أن يوسف ليس بالذي يرغب فيهن أو يصبو إليهن و هو لا ينقاد لها فيما تريده منه بما عنده من الاستعصام و الاعتزاز عن هذه الأهواء و الأميال.
ثم لما حضرن عند العزيزة و أخذن مقاعدهن، و وقع الأنس و جرت المحادثة و المفاوضة و أخذن في التفكه آتت كل واحد منهن سكينا و قد هيأت لهن و قدمت إليهن الفاكهة، عند ذلك أمرت يوسف أن يخرج إليهن و قد كان مستورا عنهن.

