تفسير الميزان ج۱۱
14نسبة متساوية إلى كل فعل من أفعاله و تركه و هما بالقياس إليه سواء، فإذا اقترف الفعل مثلا تعين أحد الجانبين تعينا اضطراريا لا خبر عن الاختيار بعد ذلك، و الآثار الضرورية التي تترتب على الفعل و منها الجزاء الذي يكتسب بالفعل حالها حال الفعل بعد التحقق.
و النشأة الآخرة دار جزاء لا دار عمل فلا خبر هناك عن الاختيار الإنساني و ليس هناك إلا الإنسان و عمله الذي أتى به و قد لزمه لزوما ضروريا، و ما يرتبط به العمل من الصحائف و الأشهاد و ربه الذي إليه يرجع الأمر و بيده الحكم الفصل، فإذا دعي استجاب اضطرارا، كما قال تعالى {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ اَلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ} طه: ١٠٨ و قد كانوا في الدنيا يدعون إلى الحق فلا يستجيبون، و إذا تكلم عن سؤال لم يكن من سنخ التكلم الدنيوي الذي كان ناشئا عن اختياره و كاشفا عن أمر خبيء في نفسه فقد ختم على فمه و لا سبيل له إلى التكلم بما يريد، و كيفما يريد، قال تعالى: {اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْوَاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} يس: ٦٥، و قال: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ وَ لاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} المرسلات: ٣٦ فإن العذر إنما يكون في الجزاء الذي فيه شوب اختيار و لتحققه إمكان وجود و عدم، و أما العمل السيئ المفروغ منه و الجزاء الذي تعقبه ضرورة فلا مجرى للعذر فيه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا اَلْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} التحريم: ٧ أي إن جزاءكم نفس عملكم الذي عملتموه، و لا يتغير ذلك بعذر و لا تعلل و إنما كان يتغير لو كان جزاء دنيويا أمره بيد الحاكم المجازي يختار فيه ما يراه و يشاؤه.
و بالجملة: إذا تكلم هو عن سؤال كان تكلمه عن اضطرار إليه و مطابقا لما عنده من العمل الظاهر الذي لا ستر عليه هناك البتة، و لو تكلم كذبا كان ذلك من قبيل ظهور الملكات كما تقدم و عملا من أعماله يظهر ظهورا لا كلاما يعد جوابا لسؤال فيختم على فيه و يستنطق سمعه و بصره و جلده و يده و رجله و يحضر العمل الذي عمله و يستشهد الأشهاد و الله على كل شيء شهيد.
فقد تلخص من جميع ما قدمناه أن معنى قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أن التكلم يومئذ ليس على وتيرة التكلم الدنيوي كشفا اختياريا عما في الضمير بحيث يمكن معه للمتكلم أن يصدق في كلامه أو يكذب فإن هذا التكلم الاختياري الذي هو من

