تفسير الميزان ج۱۱
135الكشاف: فإن قلت كيف جاز على نبي الله أن يكون منه هم بالمعصية و قصد إليها؟ قلت: المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة و نازعت إليها عن شهوة الشباب و قرمه ميلا يشبه الهم به و القصد إليه و كما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول و العزائم، و هو يكسر ما به و يرده بالنظر إلى برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم.
و لو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما لشدته لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع لأن استعظام الصبر على الابتلاء على حسب عظم الابتلاء و شدته، و لو كان همه كهمها عن عزيمة لما مدحه الله بأنه من عباده المخلصين.
و يجوز أن يريد بقوله: {وَ هَمَّ بِهَا} و شارف أن يهم بها كما يقول الرجل: قتلته لو لم أخف الله، يريد مشارفة القتل و مشافهته كأنه شرع فيه.
ثم قال: فإن قلت: لم جعلت جواب لولا محذوفا يدل عليه {هَمَّ بِهَا}، و هلا جعلته هو الجواب مقدما. قلت: لأن لولا لا يتقدم عليها جوابها من قبل أنه في حكم الشرط، و للشرط صدر الكلام و هو مع ما في حيزه من الجملتين مثل كلمة واحدة، و لا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض، و أما حذف بعضها إذا دل الدليل عليه فجائز.
فإن قلت: فلم جعلت لولا متعلقة بهم بها وحده؟ و لم تجعلها متعلقة بجملة قوله: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا} لأن الهم لا يتعلق بالجواهر و لكن بالمعاني فلا بد من تقدير المخالطة و المخالطة لا تكون إلا باثنين معا فكأنه قيل: و لقد هما بالمخالطة لو لا أن منع مانع أحدهما.
قلت: نعم ما قلت و لكن الله سبحانه قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل حيث قال: {وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا} فكان إغفاله إلغاء له فوجب أن يكون التقدير: و لقد همت بمخالطته و هم بمخالطتها، على أن المراد بالمخالطتين توصلها إلى ما هو حظها من قضاء شهوتها منه، و توصله إلى ما هو حظه من قضاء شهوته منها لو لا أن رأى برهان ربه فترك التوصل إلى حظه من الشهوة فلذلك كانت «لولا» حقيقة بأن تعلق بهم بها وحده انتهى.
و لخصه البيضاوي في تفسيره، حيث قال: المراد بهمه (عليه السلام) ميل الطبع و منازعة الشهوة لا القصد الاختياري و ذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح و الأجر

