تفسير الميزان ج۱۱
13فإن قلت فعلى هذا لا معنى لتحقق الكذب و الزور هناك و قد نص القرآن الكريم عليه كما في قوله تعالى: {وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَ اَللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ} الأنعام: ٢٤ و قوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكَاذِبُونَ} المجادلة - ١٨.
قلت: هذا من ظهور الملكات كما أن الإنسان عند التفكير يشاهد خبايا نفسه من غير حاجة إلى أن يخبر نفسه بما يفكر فيه و يكشف عما في ضميره لنفسه بالتكلم لأنه على شهادة من باطن نفسه لا في غيب، و هو مع ذلك يتصور صورة كلام يدل ما يطالعه من المعاني الذهنية، و ربما يتكلم بلسانه أيضا بما يخطره بباله من أجزاء الفكرة و الباعث له على ذلك ما اعتاده من التكلم و النطق عند ما يلفظ ما في ضميره إلى الغير.
و هؤلاء المشركون و المنافقون لما اعتادوا الكذب في نشأتهم الدنيا و عاشوا على كذبات الوهم ظهر منهم ذلك يوم يظهر فيه الملكات و العادات النفسانية و إلا فمن المحال أن يوقف الإنسان عند ربه و هو تعالى يعاين باطنه و ظاهره و أعماله محضرة، و صحيفته منشورة، و الأشهاد قائمة و جوارحه بما عملت ناطقة، و الأسباب و منها الكذب ساقطة هالكة، و قد انقلب سره علانية ثم يكذب رجاء أن يغر الله سبحانه و تعالى فيظهر عليه بحجة مدلسة كاذبة، و ينجو بذلك.
و هذا نظير دعوتهم يوم القيامة إلى السجود ثم عدم استطاعتهم، قال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَ قَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ وَ هُمْ سَالِمُونَ} القلم: ٤٣ فعدم استطاعتهم للسجود ليس إلا لرسوخ ملكة الاستكبار في نفوسهم، و لو كان بمنع جديد من جانبه تعالى لكانت الحجة لهم عليه.
فإن قلت: لو كان كما ذكرت و لم يكن هناك إلى التكلم حاجة و لا له مصداق فما معنى الاستثناء الذي في قوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} و ما في معناها من الآيات؟ و ما معنى ما تكرر في مواضع من كلامه تعالى من حكاية أقوالهم.
قلت: لا ريب أن الإنسان و هو في هذه النشأة مختار في أعماله التي منها التكلم فله

