تفسير الميزان ج۱۱
125من نفسها ما ليس بينه و بين طلبتها إلا مجرد إقبال من يوسف، و لا بين يوسف على ما هيأت من العلل و الشرائط و نظمتها بزعمها و بين الإقبال عليها شيء حائل، غير أن الله كان أقرب إلى يوسف من نفسه و من العزيزة امرأة العزيز، و لله سبحانه العزة جميعا.
و قوله: {قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} إلى آخر الآية جواب ليوسف يقابل به مسألتها بالعياذ بالله يقول: «أعوذ بالله معاذا مما تدعينني إليه لأنه ربي الذي تولى أمري و أحسن مثواي و جعلني بذلك سعيدا مفلحا و لو اقترفت هذا الظلم لتغربت به عن الفلاح و خرجت به من تحت ولايته.
و قد راعى (عليه السلام) في كلامه هذا أدب العبودية كله كما تقدم و قد أتى أولا بلفظة «الجلالة» ثم بصفة الربوبية ليدل به على أنه لا يعبد ربا غير الله ملة آبائه إبراهيم و إسحاق و يعقوب.
و احتمل عدة من المفسرين أن يكون الضمير في قوله: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} للشأن، و المراد أن ربي و مولاي و هو العزيز - بناء على ظاهر الأمر فقد اشترى يوسف من السيارة - أحسن مثواي حيث أمركم بإكرام مثواي، و لو أجبتك على ما تسألين لكان ذلك خيانة له و ما كنت لأخونه.
و نظير الوجه قول بعضهم: إن الضمير عائد إلى العزيز و هو اسم إن و خبرها قوله: {رَبِّي}، و قوله: {أَحْسَنَ مَثْوَايَ}، خبر بعد خبر.
و فيه: أنه لو كان كذلك لكان الأنسب أن يقال: إنه لا يفلح الخائنون كما قال للرسول و هو في السجن: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اَللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ اَلْخَائِنِينَ } الآية - ٥٢ من السورة و لم يقل: إني لم أظلمه بالغيب.
على أنه (عليه السلام) لم يكن ليعد العزيز ربا لنفسه، و هو حر غير مملوك له و إن كان الناس يزعمون ذلك بناء على الظاهر، و قد قال لأحد صاحبيه في السجن: {اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} الآية ٤٢ من السورة، و قال لرسول الملك: {اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ} الآية ٥١ من السورة و لم يعبر عن الملك بلفظ ربي على عادتهم في ذكر الملوك، و قال أيضا لرسول الملك: {فَسْئَلْهُ مَا بَالُ اَلنِّسْوَةِ اَللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} حيث يأخذ الله سبحانه ربا لنفسه قبال ما يأخذ الملك ربا للرسول.

