تفسير الميزان ج۱۱
124و ثانيا: أنه ليس ممن يوحد الله سبحانه قولا و يشرك به فعلا بإعطاء الاستقلال لهذه الأسباب الظاهرة تؤثر ما تؤثر بإذن الله بل هو يرى ما ينسب من جميل الآثار إلى الأسباب فعلا جميلا لله سبحانه في عين هذا الانتساب فيما تراه امرأة العزيز أنها هي التي أكرمت مثواه عن وصية العزيز، و أنها و بعلها رَبّان له يتوليان أمره يرى هو أن الله سبحانه هو الذي أحسن مثواه و أنه ربه الذي يتولى تدبير أمره فعليه أن يعوذ به.
و ثالثا: أنه إنما تعوذ بالله مما تدعوه إليه لأنه ظلم لا يفلح المتلبس به و لا يهتدي إلى سعادته و لا يتمكن في حضرة الأمن عند ربه كما قال تعالى حكاية عن جده إبراهيم (عليه السلام): {اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ} انعام ٨٢.
و رابعا: أنه مربوب أي مملوك مدبر لله سبحانه ليس له من الأمر شيء، و لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا إلا ما شاء الله له أو أحب أن يأتي به و لذلك لم يرد ما سألته منه بصريح اللفظ بل بالكناية عنه بقوله: {مَعَاذَ اَللَّهِ} إلخ، فلم يقل: لا أفعل ما تأمريننى به و لم يقل: لا أرتكب كذا، و لم يقل: أعوذ بالله منك، و ما يشابه ذلك حذرا من دعوى الحول و القوة، و إشفاقا من وسمة الشرك و الجهالة اللهم إلا ما في قوله: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} حيث أشار فيه إلى نفسه مرتين و ليس فيه إلا تثبيت المربوبية و تأكيد الذلة و الحاجة، و لهذه العلة بعينها بدل الإكرام إحسانا فأتى حذاء قول العزيز: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} بقوله: {أَحْسَنَ مَثْوَايَ} لما في الإكرام من الإشعار باحترام الشخصية و تعظيمها.
و بالجملة الواقعة و إن كانت مراجعة و مغالبة بين امرأة العزيز و يوسف (عليه السلام) بحسب ظاهر الحال فهي كانت تنازعا بين حب و هيمان إلهي، و عشقٍ و غرام حيواني يتشاجران في يوسف كل منهما يجذبه إلى نفسه، و كانت كلمة الله هي العليا فأخذته الجذبة السماوية الإلهية و دافعت عنه المحبة الإلهية و الله غالب على أمره.
فقوله تعالى: {وَ رَاوَدَتْهُ اَلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} يدل على أصل المراودة، و الإتيان بالوصف أعني كونه في بيتها للدلالة على أن الأوضاع و الأحوال كانت لها عليه و أن الأمر كان عليه شديدا، و كذا قوله: {وَ غَلَّقَتِ اَلْأَبْوَابَ} حيث عبر بالتغليق و هو يدل على المبالغة و علق الغلق بالأبواب و هو جمع محلى باللام و كذا قوله: {وَ قَالَتْ هَيْتَ لَكَ} حيث عبر بالأمر المولوي الدال على إعمال المولوية و السيادة مع إشعاره بأنها هيأت له

