تفسير الميزان ج۱۱
122الرجال لم تملك نفسها دون أن تعشقه و تذل على ما لها من مناعة الملك و العزة و عصمة العفة و الخدارة تجاه هواه القاطن بسرها الآخذ بمجامع قلبها.
و قد كان يوسف يلازمها في العشرة و لا يفارق بينها من جانب و كانت عزيزة لا يثني أمرها و لا ترد عزيمتها و كانت فيما تزعم سيدة يوسف و هو عبدها المملوك لا يسعه إلا أن يطيعها و ينقاد لها، و لبيوت الملوك و الأعزة أن تحتال لشتى مقاصدها و مآربها بأنواع الحيل و المكايد فإن عامة الأسباب و إن عزت و امتنعت ميسرة لها، و كانت العزيزة ذات جمال و زينة فإن حريم الملوك لا تدخلها كل شوهاء دميمة و لا تحل بها إلا غوان ذوات حسن فتانات.
و العادة تحكم أن هذه الأسباب - و قد اجتمعت على عزيزة مصر - أسعرت في سرها كل لهيب، و أججت كل نار حتى استغرقت في حب يوسف و تولهت في غرامه و اشتغلت به عن كل شيء، و قد أحاط بقلبها من كل جانب، هو أول منطقها إذا تكلمت و في ضميرها إذا سكتت فلا هم لها إلا يوسف و لا بغية لها إلا فيه {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} و ليوسف الجمال الذي يأخذ بمجامع القلوب فكيف إذا امتلأت به عين محب واله و أدام النظر إليه مهيم ذو غرام.
يوسف و امرأة العزيز:
لم تزل عزيزة مصر تعد نفسها و تمنيها بوصال يوسف و الظفر بما تبتغيه منه و تلاطفه في عشرته و تشفع ذلك بما لربات الحسن و الزينة من الغنج و الدلال لتصطاده بما عندها كما اصطادها بما عنده، و لعل الذي كانت تشاهده من صبر يوسف و سكوته كان يغرها فيما ترومه و يغريها عليه.
حتى إذا تاقت نفسها له و بلغت بها و أعيتها المذاهب خلت به في بيتها و قد غلقت الأبواب فلم يبق فيه إلا هي و يوسف، و هي لا تشك أن سيطيعها يوسف في أمرها و لا يمتنع عليها لما كانت و لا تزال تراه بالسمع و الطاعة، و تشاهد أن الأوضاع و الأحوال الحاضرة تقضي بفوزها و نيلها ما تريده منه.
فتى واله في حبه و فتاة تائقة في غرامها اجتمعا في بيت خالية أما هي فمشغوفة بحب يوسف تريد أن تصرفه عن نفسه إلى نفسها و تتوسل إلى ذلك بتغليق الأبواب و مراودته عن نفسه و الاعتماد على ما لها من العزة و الملك حيث تدعوه إلى نفسها بلفظ الأمر {هَيْتَ لَكَ} لتقهره

