تفسير الميزان ج۱۱
121ولاية الله محبورا بصنائعه الجميلة لا يرد إلا على خير و لا يواجه إلا جميلا.
و هذا هو الذي هون عليه ما نزل به من النوائب، و تواتر عليه من المحن و البلايا فصبر عليها على ما بها من المرارة فلم يشك و لم يجزع و لم يضل الطريق و قد ذكر ذلك لإخوته حين عرفهم نفسه بقوله: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ} الآية ٩٠ من السورة.
فلم يزل يوسف (عليه السلام) تنجذب نفسه إلى جميل صنائع ربه و يمعن قلبه في لطيف الإشارات إليه، و يزداد كل يوم حبا بما يجده من شواهد الولاية و يشاهد أن ربه هو القائم على كل نفس بما كسبت و هو على كل شيء شهيد، حتى تمكنت المحبة الإلهية منه و استقر الوله و الهيمان في سره فكان همه في ربه، لا يشغله عنه شاغل و لا يصرفه عنه صارف و لا طرفة عين، و هذا بمكان من الوضوح لمن تدبر فيما تحكي عنه السورة من المحاورات كقوله: {مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي} و قوله: {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} و قوله: {إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} و قوله: {أَنْتَ وَلِيِّي فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ} و غير ذلك كما سنبين إن شاء الله تعالى.
فهذا ما عند يوسف (عليه السلام) فقد كان شبحا ما وراءه إلا محبة إلهية أنستْه نفسَه و شغلته عن كل شيء، و صورة معناها أنها خالصة أخلصها الله لنفسه فلم يشاركه فيه أحد.
و لم يظهر للعزيز منه أول يوم إذ حل في بيته إلا أنه غلام صغير عبري مملوك له غير أن قوله لامرأته: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} يكشف أنه شاهد منه وقارا و تمكينا و تفرس فيه عظمة و كبرياء نفسانية أطمعته في أن ينتفع به أو يلحقه بنفسه بالتبني على ما في يوسف من عجيب الجمال و الحسن.
امرأة العزيز:
امرأة العزيز و هي عزيزة مصر، وصاها العزيز يوسف أن تكرم مثواه و أعلمها أن له فيه إربة و أمنية فلم تزل تجتهد في إكرام يوسف و تحسن مثواه و تهتم بأمره لا كما يهتم في أمر رقيق مملوك، بل كما يعنى بأمر جوهر كريم أو قطعة كبد، و تحبه لبديع جماله و غزير كماله و تزداد كلما مضت الأيام حبا إلى حب حتى إذا بلغ الحلم و استوى على مستوى

