تفسير الميزان ج۱۱
12المرسلات: ٣٥.
و ذلك أن الله تعالى يقول فيما يصف هذا اليوم {يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرَائِرُ} الطارق - ٩ و يقول: {إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اَللَّهُ} البقرة: ٢٨٤ فيبين أن الحساب يومئذ بما في النفوس من الأحوال و الأعراض الحسنة أو السيئة لا بما يستكشف منها بأسباب الكشف كما في هذه النشأة الدنيوية.
فما كان تحت أستار الخفاء في الدنيا من خبايا النفوس و مطويات القلوب فهو ظاهر مكشوف الغطاء يوم القيامة، و ما هو من الغيب اليوم فهو شهادة غدا، و التكلم الذي نتداوله نحن معاشر الناس فيما بيننا إنما هو باستخدام أصوات مؤلفة تدل بنحو من الوضع و الاعتبار على معان تستكن في ضمائرنا، و إنما الباعث لنا على وضعها و تداولها الحاجة الاجتماعية إلى اهتداء بعضنا إلى ما في ضمير آخرين لامتناعه من تعلق الحس به.
و التكلم من الأسباب الاجتماعية نتوسل به لكشف ما في الضمير من المعاني المكنونة و هو متقوم بخروج ما في الأذهان عن إحاطة الإنسان، و لو كنا ممدين بحس ينال المعاني الذهنية و يعاينها كما يهتدي مثلا البصر إلى الأضواء و الألوان و اللمس إلى الحرارة و البرودة و الخشونة و الملاسة لم نحتج إلى وضع اللغات و التكلم بها و لا كان بيننا ما يسمى كلمة أو كلاما، و كذا لو كان النوع الإنساني يعيش في حياته الدنيا عيشة انفرادية غير اجتماعية لم يكن من النطق خبر و لا انعقدت له نطفة.
كل ذلك لأن النشأة الدنيا كالمؤلف من شهادة و غيب و هو المحسوس المعاين و ما هو وراء الحس، و الناس في حاجة مبرمة إلى الكشف عما في ضميرهم من المقاصد و الاطلاع عليه، فلو فرضت نشأة من الحياة ممحضة في الشهادة مؤلفة من أمور معاينة لم يكن فيها ما يحوج إلى التكلم و النطق و لو تبرعنا إطلاق الكلام على شيء من الحالات الموجودة هناك لكان مصداقه ظهور بعض ما في نفوس الناس لبعضهم و اطلاع ذلك البعض على ذلك.
و هذه النشأة الموصوفة بذلك هي نشأة القيامة على ما يصفه الله سبحانه بأمثال قوله: {يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرَائِرُ}، و هذا هو الذي يظهر من قوله تعالى: {لاَ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاَ جَانٌّ} إلى أن قال: {يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَ اَلْأَقْدَامِ:} الرحمن: ٤١.

