تفسير الميزان ج۱۱
119عَلى أَمْرِهِ} الآية ٢١ من السورة، و قال: {إِنَّ اَللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} الطلاق: ٣ فما آتاه من الحكم لا يخالطه تزلزل الريب و الشك، و ما يؤتيه من العلم لا يكون جهلا البتة.
ثم من المعلوم أن هذه المواهب الإلهية ليست بأعمال جزافية و لا لغوا أو عبثا منه تعالى فالنفوس التي تؤتى هذا الحكم و العلم لا تستوي هي و النفوس الخاطئة في حكمها المنغمرة في جهلها، و قد قال تعالى: {وَ اَلْبَلَدُ اَلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ اَلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} الأعراف: ٥٨ و إلى ذلك الإشارة بقوله: {وَ كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ} حيث يدل على أن هذا الحكم و العلم اللذين آتاهما الله إياه لم يكونا موهبتين ابتدائيتين لا مستدعي لهما أصلا بل هما من قبيل الجزاء جزاه الله بهما لكونه من المحسنين.
و ليس من البعيد أن يستفاد من قوله: {وَ كَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ} إن الله تعالى يجزي كل محسن - على اختلاف صفات الإحسان - شيئا من الحكم و العلم يناسب موقعه في الإحسان و قد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} الحديد: ٢٨ و قال تعالى: {أَ وَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنَّاسِ} الأنعام: ١٢٢.
و هذا العلم المذكور في الآية يتضمن ما وعد الله سبحانه تعليمه ليوسف من تأويل الأحاديث فإنه واقع بين قوله تعالى في الآيات السابقة: {وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ} و قوله حكاية عن يوسف في قوله لصاحبيه في السجن: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} فافهم ذلك.
قوله تعالى: {وَ رَاوَدَتْهُ اَلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ اَلْأَبْوَابَ وَ قَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ اَلظَّالِمُونَ} قال في المفردات: الرود هو التردد في طلب الشيء برفق و منه الرائد لطالب الكلاء، قال: و الإرادة منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء، قال: و المراودة أن تنازع غيرك في الإرادة فتريد غير ما يريد أو ترود غير ما يرود، و راودت فلانا عن كذا، قال تعالى: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} و قال: {تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ} أي تصرفه عن رأيه، و على ذلك قوله: {وَ لَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ} {سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} انتهى.
و في المجمع: المراودة المطالبة بأمر بالرفق و اللين ليعمل به و منه المرود لأنه يعمل به، و لا يقال في المطالبة بدين: راوده، و أصله من راد يرود إذا طلب المرعى، و في

