تفسير الميزان ج۱۱
11عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ} ق: ٢٢ و قوله حكاية عن المجرمين: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَ سَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} الم السجدة: ١٢، و قوله: {وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَ شُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } إلى أن قال {هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اَللَّهِ مَوْلاَهُمُ اَلْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } يونس: ٣٠ أن يوم القيامة ظرف يجمع الله فيه العباد و يزيل الستر و الحجاب دونهم فيظهر فيه الحقائق ظهورا تاما و ينجلي ما هو وراء غطاء الغيب في هذه النشأة و عند ذلك لا يختلج في صدورهم شك أو ريب، و لا يهجس قلوبهم هاجس، و يعاينون أن الله هو الحق المبين، و يشاهدون أن القوة لله جميعا، و أن الملك و العصمة و الأمر و القهر له وحده لا شريك له.
و تسقط الأسباب عما كان يتوهم لها من الاستقلال في نشأة الدنيا و ينقطع البين و تزول روابط التأثير التي بين الأشياء و عند ذلك تنتثر كواكب الأسباب و تنطمس نجوم كانت تهتدي به الأوهام في ظلماتها، و لا تبقى لذي ملك ملك يستقل به، و لا لذي سلطان و قوة ما يتعزز معه، و لا لشيء ملجأ و ملاذ يلجأ إليه و يلوذ به و يعتصم بعصمته، و لا ستر يستر شيئا عن شيء و يحجبه دونه، و الأمر كله لله الواحد القهار لا يملك إلا هو۱.
و هذا معنى قوله: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفى عَلَى اَللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} و قوله: {مَا لَكُمْ مِنَ اَللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} و قوله: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} إلى غير ذلك من الآيات و هي جميعا تنفي ما تزينه أوهام الناس في هذه النشأة الدنيوية التي ليست إلا لهوا و لعبا أن هذه الأسباب تملك معنى التأثير، و تتلبس بأوصاف الملك و السلطنة و القوة و العصمة و العزة و الكرامة تلبسا حقيقيا استقلاليا، و أنها هي المعطية و المانعة و النافعة و الضارة لا بغية في سواها و لا خير فيما عداها.
و من هنا يمكن الاستئناس بمعنى قوله: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} و قد تكرر هذا المعنى في آيات أخرى بما يقرب من هذا اللفظ كقوله تعالى: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمَنُ وَ قَالَ صَوَاباً} النبأ: ٣٨، و قوله: {هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ}
- و في هذه الأوصاف آيات كثيرة جداً لا تخفى على الباحث المتدبر في كلامه تعالى.

