تفسير الميزان ج۱۱
109أحسن أفراد الغلمان و الجواري فما كانوا ليتولعوا في كل من اقتنوه و لا ليتولهوا كل من ألفوه فكان لأمر العزيز بإكرام مثواه و رجاء الانتفاع به أو اتخاذه ولدا معنى عميق و على الأخص من جهة أنه أمر بذلك امرأته و سيدة بيته و ليس من المعهود أن تباشر الملكات و العزيزات جزئيات الأمور و سفاسفها و لا أن تتصدى السيدات المنيعة مكانا، أمور العبيد و الغلمان.
نعم؛ إن يوسف (عليه السلام) كان ذا جمال بديع يبهر العقول و يوله الألباب، و كان قد أوتي مع جمال الخلق حسن الخلق صبورا وقورا لطيف الحركات مليح اللهجة حكيم المنطق كريم النفس نجيب الأصل، و هذه صفات لا تنمو في الإنسان إلا و أعراقها ناجمة فيه أيام صباوته و آثارها لائحة من سيماه من بادئ أمره.
فهذه هي التي جذبت نفس العزيز إلى يوسف و هو طفل صغير حتى تمنى أن ينشأ يوسف عنده في خاصة بيته فيكون من أخص الناس به ينتفع به في أموره الهامة و مقاصده العالية أو يدخل في أرومته و يكون ولدا له و لامرأته بالتبني فيعود وارثا لبيته.
و من هنا يمكن أن يستظهر أن العزيز كان عقيما لا ولد له من زوجته و لذلك ترجى أن يتبنى هو و زوجته يوسف.
فقوله: {وَ قَالَ اَلَّذِي اِشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ} أي العزيز {لاِمْرَأَتِهِ} و هي العزيزة {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} أي تصدي بنفسك أمره و اجعلي له مقاما كريما عندك {عَسى أَنْ يَنْفَعَنَا} في مقاصدنا العالية و أمورنا الهامة {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} بالتبني.
قوله تعالى: {وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ وَ اَللَّهُ غَالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} قال في المفردات: المكان عند أهل اللغة الموضع الحاوي للشيء قال و يقال: مكنته و مكنت له فتمكن، قال تعالى: {وَ لَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي اَلْأَرْضِ} {وَ لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ} {أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ} {وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ} قال: قال الخليل: المكان مفعل من الكون، و لكثرته في الكلام أجري مجرى فعال فقيل: تمكن و تمسكن مثل تمنزل. انتهى. فالمكان هو مقر الشيء من الأرض، و الإمكان و التمكين الإقرار و التقرير في المحل، و ربما يطلق المكان المكانة لمستقر الشيء من الأمور المعنوية كالمكانة في العلم و عند الناس و يقال: أمكنته من الشيء فتمكن منه أي أقدرته فقدر عليه و هو من قبيل الكناية.

