تفسير الميزان ج۱۱
105به و أفرغت عليه هذه المصيبة هي بحيث لا يسمع له معها إلا أن يسلك سبيل الصبر، و ذلك أنه (عليه السلام) فقدَ أحب الناس إليه يوسف و هو ذا يذكر له أنه صار أكلة للذئب و هذا قميصه ملطخا بالدم و هو يرى أنهم كاذبون فيما يخبرونه به، و يرى أن لهم صنعا في افتقاده و مكرا في أمره و لا طريق له إلى التحقيق فيما جرى على يوسف و التجسس مما آل إليه أمره و أين هو؟ و ما حاله؟ فإنما أعوانه على أمثال هذه النوائب و أعضاده لدفع ما يقصده من المكاره إنما هم أبناؤه و هم عصبة أولوا قوة و شدة فإذا كانوا هم الأسباب لنزول النائبة و وقوع المصيبة فبمن يقع فيهم؟ و بما ذا يدفعهم عن نفسه؟ فلا يسعه إلا الصبر.
غير أن الصبر ليس هو أن يتحمل الإنسان ما حمله من الرزية و ينقاد لمن يقصده بالسوء انقيادا مطلقا كالأرض الميتة التي تطؤها الأقدام و تلعب بها الأيدي فإن الله سبحانه طبع الإنسان على دفع المكروه عن نفسه و جهزه بما يقدم به على النوائب و الرزايا ما استطاع، و لا فضيلة في إبطال هذه الغريزة الإلهية بل الصبر هو الاستقامة في القلب و حفظ النظام النفساني الذي به يستقيم أمر الحياة الإنسانية من الاختلال، و ضبط الجمعية الداخلية من التفرق و التلاشي و نسيان التدبير و اختباط الفكر و فساد الرأي فالصابرون هم القائمون في النوائب على ساق لا تزيلهم هجمات المكاره، و غيرهم المنهزمون عند أول هجمة ثم لا يلوون على شيء.
و من هنا يعلم أن الصبر نعم السبيل على مقاومة النائبة و كسر سورتها إلا أنه ليس تمام السبب في إعادة العافية و إرجاع السلامة فهو كالحصن يتحصن به الإنسان لدفع العدو المهاجم، و أما عود نعمة الأمن و السلامة و حرية الحياة فربما احتاج إلى سبب آخر يجر إليه الفوز و الظفر، و هذا السبب في ملة التوحيد هو الله عز سلطانه؛ فعلى الإنسان الموحد إذا نابته نائبة و نزلت عليه مصيبة أن يتحصن أولا بالصبر حتى لا يختل ما في داخله من النظام العبودي و لا يتلاشى معسكر قواه و مشاعره، ثم يتوكل على ربه الذي هو فوق كل سبب راجيا أن يدفع عنه الشر و يوجه أمره إلى غاية صلاح حاله، و الله سبحانه غالب على أمره، و قد تقدم شيء من هذا البحث في تفسير قوله تعالى: {وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاَةِ } البقرة: ٤٥ في الجزء الأول من الكتاب.
و لهذا كله لما قال يعقوب (عليه السلام): {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} عقبه بقوله: {وَ اَللَّهُ اَلْمُسْتَعَانُ عَلى مَا تَصِفُونَ} فتمّم كلمة الصبر بكلمة التوكل نظير ما أتى به في قوله في الآيات

