تفسير الميزان ج۱۰
74إكراما منه لنبيهم نبي الرحمة فهم في أمن من عذاب الله و إن انهمكوا في كل إثم و خطيئة و هتكوا كل حجاب مع أنه لا كرامة عند الله إلا بالتقوى و قد خاطب المؤمنين من هذه الأمة بمثل قوله: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَ لاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ اَلْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} النساء: - ١٢٣.
و ربما تعدى المتعدي فعطف عذاب الآخرة على عذاب الدنيا فذكر أن الأمة مغفور لهم محسنهم و مسيئهم فلا يبقى لهم في الدنيا إلا كرامة أن لهم أن يفعلوا ما شاءوا فقد أسدل الله عليهم حجاب الأمن و لا في الآخرة إلا المغفرة و الجنة.
و لا يبقى على هذا للملة و الشريعة إلا أنها تكاليف و أحكام جزافية لعب بها رب العالمين و لا يسأل عما يفعل و هم يسألون تعالى عما يقولون علوا كبيرا.
فهذا كله من الإعراض عن ذكر الله و هجر كتابه {وَ قَالَ اَلرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هَذَا اَلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} .
قوله تعالى: {قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ اَلْمُجْرِمُونَ} إلى آخر الآيتين، البيات و التبييت الإتيان ليلا و يغلب في الشر كقصد العدو عدوه ليلا.
و لما كان قولهم: {مَتى هَذَا اَلْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في معنى استعجال آية العذاب التي يلجئهم إلى الإيمان رجع بعد بيان تحقق الوقوع إلى توبيخهم و ذمهم من الجهتين فوبخهم أولا على استعجالهم بالعذاب، و هو عذاب فجائي من الحزم أن يكون الإنسان منه على حذر لا أن يستعجل فيه فقال تعالى ملقنا لنبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) : {قُلْ أَ رَأَيْتُمْ} و أخبروني {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً} ليلا {أَوْ نَهَاراً} فإنه عذاب لا يأتيكم إلا بغتة إذ لستم تعلمون وقت نزوله {ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ} من العذاب {اَلْمُجْرِمُونَ} أي ماذا تستعجلون منه و أنتم مجرمون لا يتخطاكم إذا أتاكم.
ففي قوله: {ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ اَلْمُجْرِمُونَ} التفات من الخطاب إلى الغيبة و كأن النكتة فيه رعاية حالهم أن لا يشافهوا بصريح الشر و ليكون تعرضا لملاك نزول العذاب عليهم و هو إجرامهم.

