تفسير الميزان ج۱۰
73و أما الثاني أعني ذكر ضرورة الوقوع فقد بين ذلك بالإشارة إلى حقيقة هي من النواميس العامة الجارية في الكون تنحل بها العقدة و تندفع بها الشبهة، و هي أن لكل أمة أجلا لا يتخطاهم و لا يتخطونه فهو آتيهم لا محالة، و إذا أتاهم لم يخبط في وقوعه موقعه و لا ساعة، و هو قوله تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَ لاَ يَسْتَقْدِمُونَ} أي و أنتم أمة من الأمم فلا محالة لكم أيضا أجل كمثلهم إذا جاءكم لا تستأخرون ساعة و لا تستقدمون.
فإذا فقهوا هذا الكلام و تدبروه بان لهم أن لكل أمة حياة اجتماعية وراء الحياة الفردية التي لكل واحد من أفرادها و لحياتها من البقاء و العمر ما قضى به الله سبحانه لها، و لها من السعادة و الشقاوة و التكليف و الرشد و الغي و الثواب و العقاب نصيبها، و هي مما اعتنى بها التدبير الإلهي نظير الفرد من الإنسان حذو النعل بالنعل.
و يدلهم على ذلك ما يحدثهم به التاريخ و يفصح عنه الآثار من ديارهم الخربة و مساكنهم الخالية، و قد قص عليهم القرآن أخبار بعضهم كقوم نوح، و عاد قوم هود، و ثمود قوم صالح، و كلدة قوم إبراهيم و أهل سدوم و سائر المؤتفكات قوم لوط و القبط قوم فرعون و غيرهم.
فهؤلاء أمم منقرضة سكنت أجراسهم و خمدت أنفاسهم و لم ينقرضوا إلا بعذاب و هلاك، و لم يعذبوا إلا بعد ما جاءتهم رسلهم بالبينات و لم يأت قوما منهم رسوله إلا و اختلفوا في الحق الذي جاءهم فمنهم من آمن به و منهم من كذب به و هم الأكثرون.
فهذا يدلهم على أن هذه الأمة و قد اختلفوا في الحق لما جاءهم سيقضي الله بين رسوله و بينهم فيأخذهم بما أخذ به من خلت من قبلهم من الأمم و إن الله لبالمرصاد.
و على الباحث المتدبر أن يتنبه لأن الله سبحانه و إن بدأ في وعيده بالمشركين غير أنه هدد في أثناء كلامه المجرمين فتعلق الوعيد بهم، و من أهل القبلة مجرمون كغيرهم فلينتظروا عذابا واصبا يفصل به الله بينهم و بين نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و لينسوا ما يلقيه الشيطان في روعهم أن أمتهم هذه أمة مرحومة رفع الله عنهم عذاب الدنيا

