تفسير الميزان ج۱۰
71الشواهد قائمة على كون الآية مدنية فهي بعد هذه الآيات المكية من قبيل الإيضاح في الجملة بعد الإبهام و من ملاحم القرآن.
و قد حمل بعض المفسرين ما وقع من حديث العذاب في هذه الآيات على عذاب الآخرة، و سياق الآيات يأبى ذلك.
قوله تعالى: {وَ إِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ اَلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اَللَّهُ شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ} إما نرينك أصله: إن نرك، زيد عليه ما و النون الثقيلة للتأكيد، و الترديد بين الإرادة و التوفي للتسوية و استيعاب التقادير، و المعنى إلينا مرجعهم على أي تقدير، و لفظة ثم للتراخي بحسب ترتيب الكلام دون الزمان و الآية مسوقة لتطييب نفس النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و لتكون كالتوطئة لحديث قضاء العذاب الذي ستفصله الآيات التالية لهذه الآية.
و المعنى طب نفسا فإنا موقعون بهم ما نعدهم سواء أريناك بعض ذاك أو توفيناك قبل أن نريك ذاك فإن أمرهم إلينا و نحن شاهدون لأفعالهم المستوجبة للعذاب لا تغيب عنا و لا ننساها.
و الالتفات من قوله: {نُرِيَنَّكَ} إلى قوله: {ثُمَّ اَللَّهُ شَهِيدٌ} للدلالة على علة الحكم فإن الله سبحانه شهيد على كل فعل بمقتضى ألوهيته.
قوله تعالى: {وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} قضاء إلهي منحل إلى قضاءين أحدهما: أن لكل أمة من الأمم رسولا يحمل رسالة الله إليهم و يبلغها إياهم، و ثانيهما: أنه إذا جاءهم و بلغهم رسالته فاختلفوا من مصدق له و مكذب فإن الله يقضي و يحكم بينهم بالقسط و العدل من غير أن يظلمهم. هذا ما يعطيه سياق الكلام من المعنى.
و منه يظهر أن قوله: {فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ} فيه إيجاز بالحذف و الإضمار و التقدير: فإذا جاء رسولهم إليهم و بلغ الرسالة فاختلف قومه بالتكذيب و التصديق، و يدل على ذلك قوله: {قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} فإن القضاء إنما يكون فيما اختلف فيه، و لذا كان السؤال عن القسط و عدم الظلم في القضاء في مورد العذاب

