تفسير الميزان ج۱۰
58و الكلام قد قوبل فيه قوله: {يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ} بقوله: {أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي} مع أن الهداية إلى الحق يقابلها عدم الهداية إلى الحق، و عدم الاهتداء إلى الحق يقابله الاهتداء إلى الحق فلازم هذه المقابلة الملازمة بين الاهتداء بالغير و عدم الهداية إلى الحق، و كذا الملازمة بين الهداية إلى الحق و الاهتداء بالذات فالذي يهدي إلى الحق يجب أن يكون مهتديا بنفسه لا بهداية غيره و الذي يهتدي بغيره ليس يهدي إلى الحق أبدا.
هذا ما تدل عليه الآية بحسب ظاهرها الذي لا ريب فيه و هو أعدل شاهد على أن الكلام موضوع فيها على الحقيقة دون التجوزات المبنية على المساهلة التي نبني عليها و نداولها فيما بيننا معاشر أهل العرف فننسب الهداية إلى الحق إلى كل من تكلم بكلمة حق و دعا إليها و إن لم يعتقد بها أو اعتقد و لم يعمل بها أو عمل و لم يتحقق بمعناها، و سواء اهتدى إليها بنفسه أو هداه إليها غيره.
بل الهداية إلى الحق أعني الإيصال إلى صريح الحق و متن الواقع ليس إلا لله سبحانه أو لمن اهتدى بنفسه أي هداه الله سبحانه من غير واسطة تتخلل بينه و بينه فاهتدى بالله و هدى غيره بأمر الله سبحانه، و قد تقدمت نبذة من الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى: {وَ إِذِ اِبْتَلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} (الآية) البقرة: - ١٢٤.
و قد تبين بما قدمناه في معنى الآية أمور:
أحدها: أن المراد بالهداية إلى الحق ما هو بمعنى الإيصال إلى المطلوب دون ما هو بمعنى إراءة الطريق المنتهي إلى الحق فإن من الضروري أن وصف طريق الحق يتأتى من كل أحد سواء اهتدى إلى الحق بنفسه أو بغيره أو لم يهتد.
و ثانيها: أن المراد بقوله: {أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى } من لا يهتدي بنفسه، و هذا أعم من أن يكون ممن يهتدي بغيره أو يكون ممن لا يهتدي أصلا، لا بنفسه و لا بغيره كالأوثان و الأصنام التي هي جماد لا يقبل هداية من غيره، و ذلك أن قوله: {إِلاَّ أَنْ يُهْدى } استثناء من قوله: {أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي} الأعم من أن لا يهتدي أصلا أو يهتدي بغيره و المأخوذ في قوله: {أَنْ يُهْدى } فعل دخلت عليه أن المصدرية

