تفسير الميزان ج۱۰
55و في الآية دلالة على أن الأمور الضرورية و الأحكام و القوانين البينة التي تجري في النظام المشهود كقولنا: لا واسطة بين الحق و الباطل و لا بين الهدى و الضلال لها نوع استناد إلى القضاء الإلهي، و ليست ثابتة في ملكه تعالى من تلقاء نفسها.
و ربما ذكر بعض المفسرين: أن المراد بالكلمة في الآية كلمة العذاب و قوله: {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} في موضع التعليل بتقدير لامه، و التقدير كثبوت هذه الحجة عليهم حقت كلمة ربك على الذين فسقوا و هي وعيدهم بالعذاب و إنما حقت عليهم العذاب لأنهم لا يؤمنون.
و لا يخلو عن سقم فإن وجه الشبه غير ظاهر و لا متفق فيهما فالحجة ثابتة عليهم بذاتها و أما العذاب فليس ثبوته كذلك بل لأمر آخر و هو أنهم لا يؤمنون.
و الحجة كما سمعت في البيان المتقدم حجة ساذجة يعترف بحقيتها الوثنية، و قد صرفوها عن وجهها و أقاموا على ما يدعونها من ربوبية أربابهم و استحقاقها للعبادة من دون الله حيث قالوا: إن تدبير كل شأن من شئون العالم العامة إلى واحد من هذه الأرباب فهو رب ذلك الشأن، و إنما نعبد أصنامها و تماثيلها لنرضيها بذلك فتشفع لنا عند الله بما لها من القرب عنده.
فأخذت الآية اعترافهم بأن هذه التدابير لله سبحانه و كيف لا تكون له و هو خالق الكل و مبقيها؟ فله سبحانه وحده حقيقة الربوبية و هو المستحق للعبادة لا غيره.
قوله تعالى: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} إلى آخر الآية. تلقين للاحتجاج من جهة المبدإ و المعاد فإن الذي يبدأ كل شيء ثم يعيده يستحق أن يعبده الإنسان اتقاء من يوم لقائه ليأمن من أليم عذابه و ينال عظيم ثوابه يوم المعاد.
و لما كان المشركون و هم المخاطبون بالحجة غير قائلين بالمعاد أمر تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يتصدى جواب سؤاله بنفسه و قال: {قُلِ اَللَّهُ يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} و إلى متى تصرفون عن الحق.

