تفسير الميزان ج۱۰
54و قوله: {فَماذا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاَلُ} أخذ بلازم الحجة السابقة لاستنتاج أنهم ضالون في عبادة الأصنام فإنه إذا كانت ربوبيته تعالى حقة فإن الهدى في اتباعه و عبادته فإن الهدى مع الحق لا غير فلا يبقى عند غيره الذي هو الباطل إلا الضلال.
فتقدير الكلام: فماذا بعد الحق الذي معه الهدى إلا الباطل الذي معه الضلال فحذف من كل من الطرفين شيء و أقيم الباقي مقامه إيجازا، و قيل: فماذا بعد الحق إلا الضلال، و لذا قال بعضهم: إن في الآية احتباكا و هو من المحسنات البديعية و هو أن يكون هناك متقابلان فيحذف من كل منهما شيء يدل عليه الآخر فإن تقدير الكلام: فماذا بعد الحق إلا الباطل؟ و ماذا بعد الهدى إلا الضلال؟ فحذف الباطل من الأول و الهدى من الثاني و بقي قوله: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ و الوجه هو الذي قدمناه.
ثم تمم الآية بقوله: {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} أي إلى متى تصرفون عن الحق الذي معه الهدى إلى الضلال الذي مع الباطل.
قوله تعالى: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى اَلَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} ظاهر السياق أن الكلمة التي تكلم الله سبحانه بها على الفاسقين هي أنهم لا يؤمنون أي أنه سبحانه قضى عليهم قضاء حتما و هو أن الفاسقين و هم على فسقهم لا يؤمنون و لا تنالهم الهداية الإلهية إلى الإيمان، و قد قال تعالى: {وَ اَللَّهُ لاَ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفَاسِقِينَ} المائدة: - ١٠٨.
و على هذا فالإشارة بقوله: {كَذَلِكَ} إلى ما تحصل من الآية السابقة: أن المشركين صرفوا عن الحق و فسقوا عنه فوقعوا في الضلال إذ ليس بعد الحق إلا الضلال.
فمعنى قوله: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} إلخ، أن الكلمة الإلهية و القضاء الحتمي الذي قضي به في الفاسقين و هو أنهم لا يؤمنون هكذا حقت و ثبتت في الخارج و أخذت مصداقها و هو أنهم خرجوا عن الحق فوقعوا في الضلال أي أنا لم نقض عدم هدى الفاسقين و عدم إيمانهم ظلما و لا جزافا و إنما قضينا ذلك لأنهم صرفوا عن الحق و فسقوا فوقعوا في الضلال و لا واسطة بينهما فافهم ذلك.

