تفسير الميزان ج۱۰
53يدل على أن الله سبحانه رب كل شيء وحده، فهي تخاطبهم بأنكم تعترفون بأن ما يخصكم من التدبير كرزقكم و ما يعمكم و غيركم منه ينتهي إلى الله سبحانه فهو المدبر لأمركم و أمر غيركم فهو الرب لا رب سواه.
و قد بدأت في التعداد بما يخص الإنسان أعني قوله: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ} و ختمت بما يعمه و غيره أعني قوله: {وَ مَنْ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ} و ظاهر السياق أن يكون المراد بقوله: {أَمَّنْ يَمْلِكُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْأَبْصَارَ وَ مَنْ يُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ} هو التدبير الخاص بالإنسان فيكون المراد ملك السمع و الأبصار التي لأفراد الإنسان، و كذا إخراج الحي من الإنسان من ميتة و بالعكس، و قد تبين أن الحياة المخصوصة بالإنسان هو كونه ذا نعمة العقل و الدين.
فالمراد بإخراج الحي من الميت و بالعكس و الله أعلم إخراج الإنسان الحي بالسعادة الإنسانية من الإنسان الميت الذي لا سعادة له و بالعكس.
فالله سبحانه يلقن نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) الحجة على توحيده بالربوبية فأمره بقوله: {قُلْ} أن يقول لهم في سياق الاستفهام: {مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ} بالأمطار و الإنبات و التكوين {أَمَّنْ يَمْلِكُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْأَبْصَارَ} منكم فتتم بهما فائدة رزقكم حيث ترتزقون بتشخيصهما من طيبات الرزق، و لولاهما لم توفقوا لذلك و فنيتم عن آخركم {وَ مَنْ يُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ} أي كلَّ أمر مفيد في بابه من غيره {وَ يُخْرِجُ اَلْمَيِّتَ مِنَ اَلْحَيِّ} فيتولد الإنسان السعيد من الشقي و الشقي من السعيد {وَ مَنْ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ} في جميع الخليقة.
{فَسَيَقُولُونَ اَللَّهُ} اعترافا بأنه الذي ينتهي إليه جميع هذه التدبيرات في الإنسان و غيره لأن الوثنيين يعتقدون ذلك فأمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يوبخهم أولاً على ترك تقوى الله بعبادة غيره مع ظهور الحجة ثم يستنتج لهم من الحجة وجوب توحيده تعالى فقال: {فَقُلْ أَ فَلاَ تَتَّقُونَ} ثم قال: {فَذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمُ} .
قوله تعالى: {فَذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمُ اَلْحَقُّ فَماذا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} الجملة الأولى نتيجة الحجة السابقة، و قد وصف الرب بالحق ليكون توضيحا لمفاد الحجة، و توطئة و تمهيدا لقوله بعده: {فَماذا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاَلُ} .

