تفسير الميزان ج۱۰
50(بيان)
حجج ساطعة على توحيده تعالى في الربوبية يأمر نبيه (صلى الله عليه و آله وسلم) بإقامتها على المشركين، و هي ثلاث حجج مرتبة بحسب الدقة و المتانة فالحجة الأولى تسلك من الطريق الذي يعتبره الوثنيون و عبدة الأصنام فإنهم إنما يعبدون أرباب الأصنام بأصنامهم من جهة تدبيرهم للكون فيعبدون كلا منهم لأجل ما يخص به من الشأن، و ما يرجع إليه من التدبير ليرضى بذلك عمن يعبده فيفيض عليه بركاته أو ليؤمنه فلا يرسل إليه سخطه و عقابه كما كان يعبد سكان السواحل رب البحر، و أهل الجبال و أهل البر و أهل العلوم و الصنائع و أهل الحروب و الغارات و غيرهم كل يعبد من يناسب تدبيره الشأن الذي يهمه ليرضى عنه ربه فيبارك عليه برضاه أو يكف عنه غضبه.
و محصل الحجة أن تدبير العالم الإنساني و سائر الموجودات جميعا يقوم به الله سبحانه لا غير على ما يعترفون به فمن الواجب أن يوحدوه بالربوبية و لا يعبدوا إلا إياه.
و الحجة الثانية ما يعتبره عامة المؤمنين و ذلك أنهم لا يلتفتون كثيرا إلى زخارف هذه النشأة من لذائذ المادة، و إنما جل اعتنائهم بالحياة الدائمة الأخروية التي تتعين سعادتها و شقاوتها بالجزاء الإلهي بأعمالهم فإذا قامت البينة العقلية على الإعادة كالبدء كان من الواجب أن لا يعبد إلا الله سبحانه، و لا يتخذ أرباب من دونه طمعا في ثوابه و خوفا من عقابه.
و الحجة الثالثة و هي التي تحن إليها قلوب الخاصة من المؤمنين و هي أن المتبع عند العقل هو الحق، و لما كان الحق سبحانه هو الهادي إلى الحق دون ما يدعونه من الأرباب من دون الله فليكن هو المتبع دون ما يدعونه من الأرباب، و سيأتي في تفسير الآيات توضيح هذه الحجج الثلاث بما تنجلي به مزيد انجلاء إن شاء الله.
و لو لا اعتبار هذه النكتة كان الظاهر أن تذكر أولا الحجة الثانية ثم الثالثة ثم الأولى أو تذكر الثانية ثم يجمع بين الأولى و الثالثة فيذكر بعدها.

