تفسير الميزان ج۱۰
45و العبادة التي هي اتصال ما بالمملوكية و التذلل من العابد بالمعبود إنما تكون عبادة إذا اتصلت و ارتبطت بالمعبود حتى يتم به معنى اللام في قولنا: العبادة له و لا يكون ذلك إلا بشعور من المعبود و علم منه بذلك فإذا لم يتحقق هناك علم لم تتحقق عبادة حقيقة، و إنما هي صورة عبادة.
فقد تبين أن المراد بقوله: {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَ شُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} إظهاره و إبرازه تعالى يومئذ حقيقة الأمر الذي سترت عليه الأوهام و حجبته الأهواء في الدنيا و هو أن حقيقة المولوية و مالكية زمام التدبير لله سبحانه و ليس لغيره من المولوية و الربوبية شيء حتى يصح الالتجاء إليه و تصدق عبادته.
فإذا كشف الله الغطاء عن وجه هذه الحقيقة يومئذ بانَ للمشركين أن شركاءهم لم يكونوا شركاء و لا معبودين لهم في الحقيقة - لغفلتهم عن عبادتهم، و إنما كانوا يأتون لهم بصورة العبادة التي كان الوهم و الهوى يصور أنها عبادة و ليست بها.
و إليه يشير أيضا قوله تعالى: {وَ إِذَا رَأَى اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاَءِ شُرَكَاؤُنَا اَلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ اَلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} النحل: - ٨٦.
و قد تبين بذلك أيضا أن قوله: {وَ قَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} قول من شركائهم لهم على الجد و الحقيقة، و يظهر به فساد قول بعضهم: المراد أنكم لم تعبدونا بأمرنا و دعائنا لا أنكم لم تعبدونا أصلا لأن ذلك كذب لا يجوز أن يقع في الآخرة لكونهم ملجئين فيها إلى ترك القبيح.
فإن نفي أصل العبادة بما عرفت من معناه هو حق الصدق و إثبات العبادة و إن لم يكن كذبا إلا أنه لا يخلو عن مجاز في الجملة بالنظر إلى حقيقة الأمر على أن ما ذكره أن المراد نفي العبادة بأمرهم و دعوتهم معنى لا دليل عليه من جهة اللفظ.
على أن الكذب إنما لا يقع في الآخرة إذا كان عملا و كسبا و أما بمعنى نتيجة الملكات الدنيوية فلا مانع من إمكانه بل هو واقع كما يحكيه تعالى في قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَ اَللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا على أَنْفُسِهِمْ} الأنعام: - ٢٤ و غيره من الآيات.

