تفسير الميزان ج۱۰
87قوله تعالى: {وَ مَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ مَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} إلى آخر الآية، قال الراغب: الشأن الحال و الأمر الذي يتفق و يصلح، و لا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال و الأمور قال: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} انتهى.
و قوله: {وَ مَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ} الظاهر أن الضمير [راجع] إلى الله سبحانه، و "من" الأولى للابتداء و النشوء و الثانية للبيان، و المعنى و لا تتلو شيئا هو القرآن ناشئا و نازلا من قبله تعالى، و الإفاضة في الفعل الخوض فيه جمعا.
و قد وقع في قوله: {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير، و النكتة فيه الإشارة إلى كثرة الشهود فإن لله شهودا على أعمال الناس من الملائكة و الناس و الله من ورائهم محيط، و العظماء يتكلمون عنهم و عن غيرهم للدلالة على أن لهم أعوانا و خدمة.
و ليس ينبغي أن يغفل عن أن أصل الالتفات يبدأ من أول الآية فإن الآيات السابقة كانت تخاطب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و تأخذ المشركين على الغيبة و تكلمهم بوساطته من غير أن تواجهه بشيء من الخطاب يخص نفسه، و قد حولت هذه الآية وجه الكلام إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بما يخص به نفسه فقالت: {وَ مَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ مَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ} ثم جمعته و المشركين و غيرهم جميعا في خطاب واحد فقالت: {وَ لاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} و ذلك بضمهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و هم على غيبتهم و بسط الخطاب على الجميع بنوع من التغليب كما تقول لمخاطبك أنت و قومك تفعلون كذا و كذا.
و الدليل على أن هذا الخطاب بنحو الضم و التغليب قوله بعده: {وَ مَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ} إلخ، فإنه يكشف عن كون الخطاب معه (صلى الله عليه وآله و سلم) جاريا على ما كان.
و على أي حال فالتحول المذكور في خطاب الآية للإشارة إلى أن السلطنة و الإحاطة التامة الإلهية واقعة على الأعمال شهادة و علما على أتم ما يكون من كل جهة من غير أن يستثني منه نبي و لا مؤمن و لا مشرك أو يغفل عن عمل من الأعمال فلا يتوهمن أحد أن الله يخفى عليه شيء من أمره فلا يحاسبه عليه يوم القيامة،

