تفسير الميزان ج۱۰
83و الهدى، و ما رحم المؤمنين به من الحياة الطيبة ذلك أحق أن يفرحوا به دون ما يجمعونه من المال.
و ربما تأيد هذا الوجه بقوله سبحانه {وَ لَوْ لاَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مَا زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَ لَكِنَّ اَللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} النور: - ٢١ حيث نسب زكاتهم إلى الفضل و الرحمة معا و استناد الزكاة إلى الفضل بمعنى العطية العامة بعيد عن الفهم، و مما يؤيد هذا الوجه ملائمته لما ورد في الرواية من تفسير الآية بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و علي (عليه السلام) أو بالقرآن و الاختصاص به و سيجيء إن شاء الله.
و قوله: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} ذكروا أن الفاء في قوله: {فَلْيَفْرَحُوا} زائدة كقول الشاعر: «فإذا قتلت فعند ذلك فاجزعي.» و الظرف أعني قوله: {فَبِذَلِكَ} بدل من قوله: {بِفَضْلِ اَللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ} ، و متعلق بقوله: {فَلْيَفْرَحُوا} قدم عليه لإفادة الحصر، و قوله: {هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} بيان ثان لمعنى الحصر.
فظهر بذلك كله أن الآية تفريع على مضمون الآية السابقة فإنه تعالى لما خاطب الناس امتنانا عليهم بأن هذا القرآن موعظة لهم و شفاء لما في صدورهم و هدى و رحمة للمؤمنين منهم فرع عليه أنه ينبغي لهم حينئذ أن يفرحوا بهذا الذي امتن به عليهم من الفضل و الرحمة لا بالمال الذي يجمعونه فإن ذلك ـ و فيه سعادتهم و ما تتوقف عليه سعادتهم ـ خير من المال الذي ليس إلا فتنة ربما أهلكتهم و أشقتهم.
قوله تعالى: {قُلْ أَ رَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَ حَلاَلاً} إلى آخر الآية. نسبة الرزق و هو ما يمد الإنسان في بقائه من الأمور الأرضية من مأكول و مشروب و ملبوس و غيرها إلى الإنزال مبني على حقيقة يفيدها القرآن و هي أن الأشياء لها خزائن عند الله تتنزل من هناك على حسب ما قدرها الله سبحانه، قال تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} الحجر: - ٢١ و قال تعالى: {وَ فِي اَلسَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَ مَا تُوعَدُونَ} الذاريات: - ٢٢ و قال {وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} الزمر: - ٦ و قال {وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ} الحديد: - ٢٥.
و أما ما قيل: إن التعبير بالإنزال إنما هو لكون أرزاق العباد من المطر الذي

