تفسير الميزان ج۱۰
36داخل ذواتكم و نضعها في الخارج فكيف يخفى علينا كونكم تريدون بنا المكر بذلك؟ و هل المكر إلا صرف الغير عما يقصده بحيلة و ستر عليه؟! بل ذاك الذي تزعمونه مكرا بنا مكر منا بكم حيث نجعلكم تزعمونه مكرا و تقدمون على المكر بنا، و هذه المزعمة و الإقدام ضلال منكم و إضلال منا لكم جزاء بما كسبته أيديكم، و سيأتي نظير هذا المعنى في قوله: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنْفُسِكُمْ} (الآية) : - ٢٣ من السورة.
و في الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} على قراءة تمكرون بتاء الخطاب و هي القراءة المشهورة و هو من عجيب الالتفات الواقع في القرآن و لعل النكتة فيه تمثيل معنى قوله: {قُلِ اَللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً} في العين كأنه تعالى لما قال لنبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) : {قُلِ اَللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً} أراد أن يوضحه لهم عيانا ففاجأهم بتجليه لهم دفعة فكلمهم و أوضح لهم السبب في كونه أسرع مكرا ثم حجبهم عن نفسه فعادوا إلى غيبتهم و عاد الكلام إلى حاله، و خوطب النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ببقية الخطاب: {هُوَ اَلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ} إلخ، و هذا من لطيف الالتفات.
قوله تعالى: {هُوَ اَلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ} إلى آخر الآية، الفلك السفينة و تستعمل مفردا و جمعا، و المراد بها هاهنا الجمع بدليل قوله: {وَ جَرَيْنَ بِهِمْ} و الريح العاصف: الشديدة الهبوب، و قوله: {أُحِيطَ بِهِمْ} كناية عن الإشراف على الهلاك و تقديره أحاط بهم البلاء أو الأمواج، و الإشارة بقوله: {مِنْ هَذِهِ} إلى الشدة. و معنى الآية ظاهر.
و فيها من عجيب الالتفات الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: {وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} إلى قوله: {بِغَيْرِ اَلْحَقِّ} و لعل النكتة فيه إرجاعهم إلى الغيبة و توجيه الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و وصف أعجب جزء من هذه القصة الموصوفة له ليسمعه و يتعجب منه، و يكون فيه مع ذلك إعراض عن الأمر بمخاطبتهم لأنهم لا يفقهون القول.
قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ} أصل البغي

