تفسير الميزان ج۱۰
35حيث كانوا يمكرون بآيات السراء و الضراء بعد ظهورها، و من مكرهم مكرهم في القرآن الذي هو آية إلهية و رحمة أذاقهم الله إياها بعد ضراء الجهالة العالقة بهم و شمول ضنك العيش و الذلة و التفرقة و تباعد القلوب و بغضائها لهم و هم يمكرون به فتارة يقولون {اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} و تارة يقولون: {لَوْ لاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} .
فالآية تبين لهم أن هذا كله مكر يمكرونه في آيات الله، و تبين لهم أن المكر بآيات الله لا يعقب إلا السوء من غير أن ينفعهم شيئا فإن الله أسرع مكرا يأخذهم مكره قبل أن يأخذ مكرهم آياته فإن مكرهم بآيات الله عين مكر الله بهم.
فمعنى الآية: {وَ إِذَا أَذَقْنَا اَلنَّاسَ} عبر عن الإصابة بالإذاقة للإيماء إلى التذاذهم بالرحمة و عناية بالقلة فإن الذوق يستعمل في القليل من التغذي {رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ} و التعبير بالرحمة في موضع السراء للإشارة إلى أنها من الرحمة الإلهية من غير أن يستوجبوا ذلك فكان من الواجب عليهم أن يقوموا بحقه، و يخضعوا لما تدعو إليه الآية و هو توحيد ربهم و شكر نعمته لكنهم يفاجئون بغير ذلك {إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا} كتوجيه الحوادث بما تبطل به دلالة الآيات كقولهم قد مس آباءنا السراء و الضراء، و الاعتذار بما لا يرتضيه الله كقولهم: {لَوْ لاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} و قولهم: {إِنْ نَتَّبِعِ اَلْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} .
فأمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يجيبهم بقوله: {قُلِ اَللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً} ثم علله بقوله: {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} فلنا عليكم شهداء رقباء أرسلناهم إليكم يكتبون أعمالكم و يحفظونها، و بمجرد ما عملتم عملا حفظ عليكم و تعين جزاؤه لكم قبل أن يؤثر مكركم أثره أو لا يؤثر كما فسروه.
و هنا شيء و هو أن الظاهر من قوله تعالى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الجاثية: - ٢٩ على ما سيجيء من البيان في تفسير الآية إن شاء الله تعالى أن معنى كتابة الملائكة أعمال العباد هو إخراجهم الأعمال من كمون الاستعدادات إلى مرحلة الفعلية الخارجية و رسم نفس الأعمال في صحيفة الكون و بذلك تنجلي علّيّة كتابة الرسل لأعمالهم لكونه تعالى أسرع مكرا تمام الانجلاء فإن حقيقة المعنى على هذا: أنا نحن نخرج أعمالكم التي تمكرون بها من

