تفسير الميزان ج۱۰
34و إن كان المراد بالسبق السبق بحسب القضاء فينبغي أن يتبع في ذلك أول كلمة قالها الله تعالى في ضلال الناس و شركهم و معصيتهم، و ليست إلا ما قاله عند أول ما أسكن الإنسان الأرض و هو ما قدمناه من الآية.
قوله تعالى: {وَ يَقُولُونَ لَوْ لاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا اَلْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُنْتَظِرِينَ} الآية كقوله قبلها: {وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ} و قوله قبله: {وَ إِذَا تُتْلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} تعد أمورا من مظالم المشركين في أقوالهم و أعمالهم ثم ترد عليها بحجج تلقنها النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ليقيمها عليهم كما مر في أول الآيات فقوله: {وَ يَقُولُونَ لَوْ لاَ أُنْزِلَ} إلخ، عطف على قوله في أول الآيات: {وَ إِذَا تُتْلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} .
و فيها مع ذلك عود بعد عود إلى إنكارهم أمر القرآن فإن مرادهم بقولهم: {لَوْ لاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} و إن كان طلب آية أخرى غير القرآن لكنهم إنما قالوه إزراء و تحقيرا لأمر القرآن و استخفافا به لعدم عده آية إلهية و الدليل عليه قوله تعالى: {فَقُلْ إِنَّمَا اَلْغَيْبُ لِلَّهِ} و لم يقل: «قل» كما قال في سائر الآيات كأنه يقول: و يطلبون منك آية أخرى غير مكتفين بالقرآن و لا راضين به فإذا لم يكتفوا به آية فقل: إنما الآيات من الغيب المختص بالله و ليست بيدي فانتظروا إني معكم من المنتظرين.
فهذا هو المستفاد من الآية و فيها دلالة على أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان ينتظر آية فاصلة بين الحق و الباطل غير القرآن قاضية بينه و بين أمته، و سيجيء الوعد الصريح منه بهذه الآية التي يأمر بانتظارها هاهنا في قوله: {وَ إِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ اَلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} يونس: - ٤٦ إلى تمام عدة آيات.
قوله تعالى: {وَ إِذَا أَذَقْنَا اَلنَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا} إلى آخر الآية؛ مضمون الآية و إن كان من المعاني العامة الجارية في أغلب الناس في أكثر الأوقات فإن الفرد من الإنسان لا يخلو عن أن يمسه سراء بعد ضراء بل قلما يتفق أن لا يتكرر في حقه ذلك لكن الآية من جهة السياق المتقدم كأنها مسوقة للتعريض للمشركين و مكرهم في آيات الله، و الدليل عليه قوله: {قُلِ اَللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً} فقد كان النظر معطوفا على مكر طائفة خاصة و هم المخاطبون بهذه الآيات

