تفسير الميزان ج۱۰
33على أن القول بوجود الاختلاف الدائم بين الناس مع عدم رجوعه إلى الفطرة مما لا يجتمعان.
و منها: أن المراد أن الناس جميعا كانوا على ملة واحدة هي الكفر و الشرك ثم اختلفوا فكان مسلم و كافر.
و هذا أسخف الأقوال في الآية فإنه مضافا إلى كونه قولا بغير دليل يأباه ظاهر الآيات فإن ظاهرها أن ظهور الاختلاف لانتهائه إلى بغي الناس من بعد ما جاءهم العلم أي ظهور الكفر و الشرك عن بغي كان هو المقتضي للحكم بينهم و القضاء عليهم بنزول العذاب و الهلاك فإذا كانوا جميعا على الكفر و الشرك من غير سابقة هدى و إيمان فما معنى استناد الاقتضاء إلى البغي عن علم؟ و ما معنى خلق الجميع و وجود المقتضي لإهلاكهم جميعا إلا انتقاض الغرض الإلهي؟
و هذا القول أشبه بما قالته النصارى في مسألة التفدية إن الله خلق الإنسان ليطعمه [ليطيعه] فيسكنه الجنة دائما لكنه عصاه و نقض بذلك غرض الخلقة فتداركه الله بتفدية المسيح.
و منها: قول بعضهم: إن المراد بالكلمة في قوله: {وَ لَوْ لاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} إلخ قوله تعالى في هذه السورة {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (الآية) - ٩٣.
و فيه: أن المراد بالسبق إن كان هو السبق بحسب البيان فالآية متأخرة عن هذه الآية لوقوعها في أواخر السورة، و الآيات متصلة جارية. على أن الآية في بني إسرائيل خاصة و الضمير في قوله: {بَيْنَهُمْ} راجع إليهم و هي قوله: {وَ لَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَ رَزَقْنَاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبَاتِ فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ اَلْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} يونس - ٩٣.
على أن قوله في بعض الآيات {وَ لَوْ لاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} الشورى: - ١٤ لا يلائم هذا المعنى من السبق.

