تفسير الميزان ج۱۰
239قوله تعالى: {قِيلَ يَا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِنَّا وَ بَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَ على أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} إلخ، السلام هو السلامة أو التحية غير أن ذكر مس العذاب في آخر الآية يؤيد كون المراد به في صدرها السلامة من العذاب و كذا تبديل البركة في آخر الآية إلى التمتع يدل على أن المراد بالبركات ليس مطلق النعم و أمتعة الحياة بل النعم من حيث تسوق الإنسان إلى الخير و السعادة و العاقبة المحمودة.
فقوله: {قِيلَ} و لم يذكر القائل و هو الله سبحانه للتعظيم {يَا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِنَّا وَ بَرَكَاتٍ عَلَيْكَ} معناه و الله أعلم يا نوح انزل مع سلامة من العذاب الطوفان و نعم ذوات بركات و خيرات نازلة منا عليك أو أنزل بتحية و بركات نازلة منا عليك.
و قوله: {وَ على أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} معطوف على قوله: {عَلَيْكَ} و تنكير أمم يدل على تبعيضهم لأن من الأمم من يذكره تعالى بعد في قوله: {وَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ} .
و الخطاب أعني قوله تعالى: {يَا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِنَّا وَ بَرَكَاتٍ عَلَيْكَ} إلى آخر الآية بالنظر إلى ظرف صدوره و ليس وقتئذ متنفس على وجه الأرض من إنسان أو حيوان و قد أغرقوا جميعا و لم يبق منهم إلا جماعة قليلة في السفينة و قد رست و استوت على الجودي، و قد قضي أن ينزلوا إلى الأرض فيعمروها و يعيشوا فيها إلى حين، خطابٌ عام شامل للبشر من لدن خروجهم منها إلى يوم القيامة نظير ما صدر من الخطاب الإلهي يوم أهبط آدم (عليه السلام) من الجنة إلى الأرض و قد حكاه الله تعالى في موضع بقوله: {وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتَاعٌ إِلى حِينٍ} إلى أن قال {قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة: - ٣٩ و في موضع آخر بقوله: {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَ فِيهَا تَمُوتُونَ وَ مِنْهَا تُخْرَجُونَ} الأعراف: - ٢٥.
و هذا الخطاب خطاب ثان مشابه لذاك الخطاب الأول موجه إلى نوح (عليه السلام) و من معه من المؤمنين و إليهم ينتهي نسل البشر اليوم متعلق بهم و بمن يلحق بهم

