تفسير الميزان ج۱۰
237و قال تعالى: {وَ لَوْ لاَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَ مَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ مَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَ أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} النساء: - ١١٣.
و من الدليل على أن النهي {فَلاَ تَسْئَلْنِ} إلخ نهي عما لم يقع بعد قول نوح (عليه السلام) بعد استماع هذا النهي: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} و لو كان سأل شيئا لقيل: أعوذ بك من سؤالي ذلك ليفيد المصدر المضاف إلى المعمول التحقق و الارتكاب.
و من الدليل أيضا على أنه (عليه السلام) لم يسأل ذلك تعقيب قوله: {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} بقوله: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ} فإن معناه: أني أنصح لك في القول أن لا تكون بسؤالك ذلك من الجاهلين، و لو كان نوح سأل ذلك لكان من الجاهلين لأنه سأل ما ليس له به علم.
فإن قلت: إنه تعالى قال: {أَنْ تَكُونَ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ} أي ممن استقرت فيه صفة الجهل، و استقرارها إنما يكون بالتكرار لا بالمرة و الدفعة، و بذلك يعلم أنه سأل ما سأل و تحقق منه الجهل مرة و إنما وعظه الله تعالى بما وعظ لئلا يعود إلى مثله فيتكرر منه ذلك فيدخل في زمرة الجاهلين.
قلت: زنة الفاعل كجاهل لا تدل على الاستقرار و التكرر و إنما تفيده الصفة المشبهة كجهول على ما ذكروه، و يشهد لذلك قوله تعالى في قصة البقرة {قَالُوا أَ تَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ} البقرة: - ٦٧، و قوله في قصة يوسف {وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ} يوسف: - ٣٣ و قوله خطابا لنبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) {وَ لَوْ شَاءَ اَللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى اَلْهُدى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْجَاهِلِينَ} الأنعام: - ٣٥.
و أيضا لو كان المراد من النهي عن السؤال أن لا يتكرر منه ذلك بعد ما وقع مرة لكان الأنسب أن يصرح بالنهي عن العود إلى مثله دون النهي عن أصله كما وقع في نظير المورد من قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} إلى أن قال {يَعِظُكُمُ اَللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً} النور: - ١٧.

