تفسير الميزان ج۱۰
236و هو من أسخف التفسير فإنه معنى لا يلائم شيئا من الجملتين المكتنفتين به لا قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} و لا قوله: {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} و هو ظاهر، و لو كان كذلك كان من حق الكلام أن يتقدم على قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} و يتصل بقول نوح (عليه السلام).
على أنك عرفت أن قول نوح (عليه السلام) : {رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي} إلخ، لا يتضمن سؤالا و إنما كان يسوقه لو جرى في كلامه إلى السؤال لكن العناية الإلهية حالت بينه و بين السؤال.
و قوله: {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} كان قول نوح (عليه السلام) : {رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ اَلْحَقُّ} في مظنة أن يسوقه إلى سؤال نجاة ابنه و هو لا يعلم أنه ليس من أهله فأخذته العناية الإلهية، و حالَ التسديدُ الغيبي بينه و بين السؤال فأدركه النهي بقوله: {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} بتفريع النهي على ما تقدم، أي فإذ ليس من أهلك لكونه عملا غير صالح و أنت لا سبيل لك إلى العلم بذلك فإياك أن تبادر إلى سؤال نجاته لأنه سؤال ما ليس لك به علم.
و النهي عن السؤال بغير علم لا يستلزم تحقق سؤال ذلك منه (عليه السلام) لا مستقلا و لا في ضمن قوله: {رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي} لأن النهي عن الشيء لا يستلزم الارتكاب قبلا، و قد قال تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ} الحجر: - ٨٨ فنهى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) عن حب الدنيا و الافتتان بزينتها و حاشاه عن ذلك.
و إنما يفتقر النهي في صحة تعلقه بفعل ما أن يكون فعلا اختياريا يمكن أن يبتلي به المكلف، و ما نهي عنه الأنبياء (عليه السلام) على هذه الصفة و إن كانوا ذوي عصمة إلهية و تسديد غيبي، فإن من العصمة و التسديد أن يراقبهم الله سبحانه في أعمالهم و كلما اقتربوا مما من شأنه أن يزل فيه الإنسان نبههم على وجه الصواب و يدعوهم إلى السداد و التزام طريق العبودية، قال تعالى: {وَ لَوْ لاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ اَلْحَيَاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} إسراء: - ٧٥ فأنبأ تعالى أنه هو الذي ثبته و لم يدعه يقترب من الركون إليهم فضلا عن نفس الركون.

