تفسير الميزان ج۱۰
224و المعنى: و اصنع السفينة تحت مراقبتنا الكاملة و تعليمنا إياك و لا تسألني صرف العذاب عن هؤلاء الذين ظلموا فإنهم مقضي عليهم الغرق قضاء حتم لا مرد له.
قوله تعالى: {وَ يَصْنَعُ اَلْفُلْكَ وَ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} قال في المجمع: السخرية إظهار خلاف الإبطان على وجه يفهم منه استضعاف العقل، و منه التسخير لتذليل يكون استضعافا بالقهر، و الفرق بين السخرية و اللعب أن في السخرية خديعة و استنقاصا و لا تكون إلا في الحيوان و قد يكون اللعب بجماد، انتهى.
و قال الراغب في المفردات: سخرت منه و استسخرته للهزء منه قال تعالى: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} {بَلْ عَجِبْتَ وَ يَسْخَرُونَ} و قيل: رجل سُخَر بالضم فالفتح لمن سخر و سخرة بالضم فالسكون لمن يسخر منه، و السخرية بالضم و السخرية بالكسر لفعل الساخر، انتهى.
و قوله: {وَ يَصْنَعُ اَلْفُلْكَ} حكاية الحال الماضية يمثل بها ما يجري على نوح (عليه السلام) من إيذاء قومه و قيام طائفة منهم بعد طائفة على إهانته و الاستهزاء به في عمل السفينة و صبره عليه في جنب الدعوة الإلهية و إقامة الحجة عليهم من غير أن يفشل و ينثني.
و قوله: {كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} حال من فاعل يصنع و الملأ هاهنا الجماعة الذين يعبأ بهم، و في الكلام دلالة على أنهم كانوا يأتونه و هو يصنع الفلك جماعة بعد جماعة بالمرور عليه ساخرين، و أنه (عليه السلام) كان يصنعها في مرأى منهم و ممر عام.
و قوله: {قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} في موضع الجواب لسؤال مقدر، كأنّ قائلا قال: فماذا قال نوح (عليه السلام) ؟ فقيل: {قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ} و لذا فصل الكلام من غير عطف.
و لم يقل (عليه السلام) : إن تسخروا مني فإني أسخر منكم ليدفع به عن نفسه و عن عصابة المؤمنين به و كأنه كان يستمد من أهله و أتباعه في ذلك و كانوا يشاركونه في

