تفسير الميزان ج۱۰
222(بيان)
تتمة قصة نوح (عليه السلام) و هي تشتمل على فصول كإخباره (عليه السلام) بنزول العذاب على قومه، و أمره بصنع الفلك، و كيفية نزول العذاب و هو الطوفان، و قصة ابنه الغريق، و قصة نجاته و نجاة من معه لكنها جميعا ترجع من وجه إلى فصل واحد و هو فصل القضاء بينه (عليه السلام) و بين قومه.
قوله تعالى: {وَ أُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} الابتئاس من البؤس و هو حزن مع استكانة.
و قوله: {لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} إيئاس و إقناط له (عليه السلام) من إيمان الكفار من قومه بعد ذلك، و لذلك فرع عليه قوله: {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} لأن الداعي إلى أمر إنما يبتئس و يغتم من مخالفة المدعوين و تمردهم ما دام يرجو منهم الإيمان و الاستجابة لدعوته، و أما إذا يئس من إجابتهم فلا يهتم بهم و لا يتعب نفسه في دعوتهم إلى السمع و الطاعة و الإلحاح عليهم بالإقبال إليه و لو دعاهم بعدئذ فإنما يدعوهم لغرض آخر كإتمام الحجة و إبراز المعذرة.
و على هذا ففي قوله: {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} تسلية من الله لنوح (عليه السلام) و تطييب لنفسه الشريفة من جهة ما في الكلام من الإشارة إلى حلول حين فصل القضاء بينه و بين قومه، و صيانة لنفسه من الوجد و الغم لما كان يشاهد من فعلهم به و بالمؤمنين به من قومهم من إيذائهم إياهم في دهر طويل (مما يقرب من ألف سنة) لبث فيه بينهم.
و يظهر من كلام بعضهم أنه استفاد من قوله: {لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} أن من كفر منهم فليس يؤمن بعد هذا الحين أبدا كما أن الذين آمنوا به ثابتون على إيمانهم دائمون عليه و فيه أن العناية في الكلام إنما تعلقت ببيان عدم إيمان الكفار بعد ذلك فحسب و أما إيمان المؤمنين فلم يعن به إلا بمجرد التحقق سابقا و لا دلالة في الاستثناء على أزيد من ذلك، و أما ثباتهم و دوامهم على الإيمان فلا دليل عليه.

