تفسير الميزان ج۱۰
216الداعي الآيس من السمع و الطاعة و هو الشر الذي يهددهم به و يذكره وراء نصحه.
قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اَللَّهُ إِنْ شَاءَ وَ مَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} لما كان قولهم: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} إلخ، طلبا منه أن يأتيهم بالعذاب و ليس ذلك إليه فإنما هو رسول، أجاب عن اقتراحهم هذا أيضا في سياق قصر القلب أن الإتيان بالعذاب ليس إليّ، بل إنما هو إلى الله فهو الذي يملك أمركم فيأتيكم بالعذاب الذي وعدتكموه بأمره فهو ربكم و إليه مرجع أمركم كله، و لا يرجع إلي من أمر التدبير شيء حتى أن وعدي إياكم بالعذاب و اقتراحكم علي بطلبه لا يؤثر في ساحة كبريائه شيئا فإن يشأ يأتكم به و إن لم يشأ فلا.
و من هنا يظهر أن قوله (عليه السلام) : {إِنْ شَاءَ} من ألطف القيود في هذا المقام أفيد به حق التنزيه و هو أن الله سبحانه لا يحكم فيه شيء و لا يقهره قاهر يفعل ما يشاء و لا يفعل ما يشاء غيره نظير ما سيأتي في آخر السورة من الاستثناء في قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} هود: - ١٠٨.
و قوله: {وَ مَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} تنزيه آخر لله سبحانه و هو مع ذلك جواب عن الأمر التعجيزي الذي ألقوه إليه (عليه السلام) فإن ظاهره أنهم لا يعبئون بما هددهم به من العذاب كأنهم معجزون لا يقدر عليهم.
قوله تعالى: {وَ لاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اَللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} إلخ، قال في المفردات: النصح تحرّي فعل أو قول فيه صلاح صاحبه، قال و هو من قولهم نصحت له الود أي أخلصته و ناصح العسل خالصه، أو من قولهم: نصحت الجلد خطته و الناصح الخياط و النصاح الخيط.
و قال أيضا: الغي جهل من اعتقاد فاسد، و ذلك أن الجهل قد يكون من الإنسان غير معتقد اعتقادا لا صالحا و لا فاسدا، و قد يكون من اعتقاد شيء فاسد، و هذا النحو الثاني يقال له غي؛ قال تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَ مَا غَوى } ، و قال: {وَ إِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي اَلغَيِّ} . انتهى.
و على هذا فالفرق بين الإغواء و الإضلال أن الإضلال إخراج من الطريق مع

