تفسير الميزان ج۱۰
211و كلٌّ من الملك و خدمه و أياديه العمالة و رعاياه و ما يدور بأيديهم من النعم و أمتعة الحياة أمر موجود محدود مستقل الوجود منفصلة عن غيره، إنما يرتبط بعضهم ببعض بأحكام و قوانين و سنن اصطلاحية لا موطن لها سوى ذهن الذاهن و اعتقاد المعتقد.
و قد طبقوا العالم الربوبي أعني ما يخبر به النبوة من مقام الرب تعالى و صفاته و أفعاله و ملائكته و كتبه و رسله على هذا النظام، فهو تعالى يريد و يكره و يعطي و يمنع و يدبر نظام الخلقة كما يفعل ذلك الواحد منا المسمى ملكاً، و هو محدود الوجود منعزل الكون و كلٌّ من ملائكته و سائر خليقته مستقل الوجود يملك ما عنده من الوجود و النعم الموهوبة دون الله سبحانه، و قد كان تعالى في أزل الزمان وحده لا شيء معه من خلقه ثم أبدع في جانب الأبد الخلق فكانوا معه.
فقد أثبتوا كما ترى موجودا محدودا منطبق الوجود على الزمان غير أن وجوده الزماني دائمي، و له قدرة على كل شيء، و علم بكل شيء، و إرادة لا تنكسر و قضاء لا ترد، يستقل بما عنده من الصفات و الأعمال كما يستقل الواحد منا في ملك ما عنده من الحياة و العلم و القدرة و غير ذلك، فحياته حياة له و ليست لله، و علمه علمه لا علم الله، و قدرته قدرته لا قدرة الله و هكذا، و إنما يقال لوجودنا أو حياتنا أو علمنا أو قدرتنا أنها لله كما يقال لما عند الرعية من النعمة أنها للمَلِك، بمعنى أنها كانت عنده فأخرجها من عنده و وضعها عندنا نتصرف فيها، فجميع ذلك كما ترى يقوم على أساس المحدودية و الانعزال.
لكن البراهين اليقينية تقضي بفساد ذلك كله فإنّها تحكم بسريان الفقر و الحاجة إلى الموجودات الممكنة في ذواتها و آثار ذواتها، و إذا كانت الحاجة إليه تعالى في مقام الذات استحال الاستقلال عنه و الانعزال منه على الإطلاق، إذ لو فرض استقلالٌ لشيء منه تعالى في وجوده أو شيء من آثار وجوده بأي وجهٍ فرض في حدوث أو بقاء استغنى عنه من تلك الجهة و هو محال.
فكلّ ممكنٍ غير مستقل في شيء من ذاته و آثار ذاته، و الله سبحانه هو الذي يستقل في ذاته و هو الغني الذي لا يفتقر في شيء و لا يفقد شيئا من الوجود و كمال

