تفسير الميزان ج۱۰
210إني أعلم الغيب نافيا لوجوده عند القائل بل يحتاج إلى أن يقال: لا أعلم الغيب ليفيد النفي بخلاف قوله: {لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اَللَّهِ} و قوله: {وَ لاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} ، و لم يكرر قوله: {لَكُمْ} لحصول الكفاية بالواحدة.
و قد أمر الله سبحانه نبيه محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يخاطب قومه بما خاطب به نوح (عليه السلام) قومه ثم ذيله بما يظهر به المراد إذ قال {قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اَللَّهِ وَ لاَ أَعْلَمُ اَلْغَيْبَ وَ لاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحى إليّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلْأَعْمى وَ اَلْبَصِيرُ أَ فَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} الأنعام: - ٥٠.
انظر إلى قوله: {لاَ أَقُولُ لَكُمْ} إلخ، ثم إلى قوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحى إِلَيَّ} ثم إلى قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلْأَعْمى وَ اَلْبَصِيرُ} إلخ، فهو ينفي أولا الفضل الذي يتوقعه عامة الناس من نبيهم ثم يثبت للرسول الرسالة فحسب ثم يبادر إلى إثبات الفضل من جهة أخرى غير الجهة التي يتوقعها الناس و هو أنه بصير بإبصار الله تعالى و أن غيره بالنسبة إليه كالأعمى بالنسبة إلى البصير و هذا هو الموجب لاتباعهم له كما يتبع الأعمى البصير، و هو المجوز له أن يدعوهم إلى اتباعه.
(كلام في قدرة الأنبياء و الأولياء فلسفي قرآني)
الناس في جهلٍ بمقام ربهم و غفلة عن معنى إحاطته و هيمنته، فهم مع ما تهديهم الفطرة الإنسانية إلى وجوده و أحديته يسوقهم الابتلاء بعالم المادة و الطبيعة و التوغل في الأحكام و القوانين الطبيعية ثم السنن و النواميس الاجتماعية و الأنس بالكثرة و البينونة إلى قياس العالم الربوبي بما ألفوا من عالم المادة فالله سبحانه عندهم مع خلقه كجبار من جبابرة البشر مع عبيده و رعيته.
فهناك فرد من الإنسان نسميه مثلا ملكا أو جبارا، دونه وزراء و أمراء و الجنديون و الجلاوزة يجرون ما يأمر به أو ينهى عنه، و له عطايا و مواهب لمن شاء و إرادة و كراهة و أخذ و رد و قبض و إطلاق و رحمة و سخط و قضاء و نسخ إلى غير ذلك.

