تفسير الميزان ج۱۰
193و إن فرض أنهم أخسر بالنسبة إلى الدنيا فذلك لكونهم بكفرهم و صدهم عن سبيل الله حرموا سعادة الحياة التي يمهدها لهم الدين الحق فخسروا في الدنيا كما خسروا في الآخرة لكنهم في الآخرة أخسر لكونها دائمة مخلدة و أما الدنيا فليست إلا قليلا، قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} الأحقاف: - ٣٥.
على أن الأعمال تشتد و تتضاعف في الآخرة بنتائجها كما قال تعالى: {وَ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلاً} إسراء: - ٧٢، و أحسن الوجهين أولهما لأن ظاهر الآية حصر الأخسرين فيهم دون إثبات أخسريتهم في الآخرة قبال الدنيا.
قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ وَ أَخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ} إلى آخر الآية، قال الراغب في المفردات: الخبت المطمئن من الأرض و أخبت الرجل قصد الخبت أو نزله، نحو أسهل و أنجد ثم استعمل الإخبات في استعمال اللين و التواضع، قال الله تعالى: {وَ أَخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ} ، و قال: {وَ بَشِّرِ اَلْمُخْبِتِينَ} أي المتواضعين نحو لا يستكبرون عن عبادته، و قوله: {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي تلين و تخشع. انتهى.
فالمراد بإخباتهم إلى الله اطمئنانهم إليه بحيث لا يتزلزل ما في قلوبهم من الإيمان به فلا يزيغون و لا يرتابون كالأرض المطمئنة التي تحفظ ما استقر فيها فلا وجه لما قيل: إن الأصل أخبتوا لربهم فإن ما في معنى الاطمئنان يتعدى بإلى دون اللام.
و تقييده تعالى الإيمان و العمل الصالح بالإخبات إليه يدل على أن المراد بهم طائفة خاصة من المؤمنين و هم المطمئنون منهم إلى الله ممن هم على بصيرة من ربهم، و هو الذي أشرنا إليه في صدر الآيات عند قوله: {أَ فَمَنْ كَانَ على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} إلخ أن الآيات تقيس ما بين فريقين خاصين من الناس و هم أهل البصيرة الإلهية و من عميت عين بصيرته.
و من هنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسرين أن هذه الآيات السبع يعني

