تفسير الميزان ج۱۰
186و قوله تعالى: {وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسى إِمَاماً وَ رَحْمَةً} الضمير راجع إلى الموصول أو إلى البينة على حد ما ذكرناه في ضمير {يَتْلُوهُ} و الجملة حال بعد حال، أي: أفمن كان على بصيرة إلهية ينكشف له بها أن القرآن حق منزل من عند الله، و الحال أنّ معه شاهدا منه يشهد بذلك عن بصيرة، و الحال أن هذا الذي هو على بينة سبقه كتاب موسى إماماً و رحمة، أو قبل بينته التي منها القرآن أو هي القرآن المشتمل على المعارف و الشرائع الهادية إلى الحق كتاب موسى إماما، فليس هو أو ما عنده من البينة ببدع من الأمر غير مسبوق بمثل و نظير بل هناك طريق مسلوك من قبل يهدي إليه كتاب موسى.
و من هنا يظهر وجه توصيف كتاب موسى و هو التوراة بالإمام و الرحمة؛ فإنه مشتمل على معارف حقة و شريعة إلهية يؤتم به في ذلك و يتنعم بنعمته، و قد ذكره الله بهذا الوصف في موضع آخر من كلامه فقال {قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ على مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اِسْتَكْبَرْتُمْ} إلى أن قال {وَ قَالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسى إِمَاماً وَ رَحْمَةً وَ هَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ بُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ} الأحقاف: - ١٢.
و الآيات كما ترى أقرب الآيات مضمونا من الآية المبحوث عنها تذكر أولاً أن القرآن بينة إلهية أو أمر قامت عليه بينة إلهية، ثم تذكر شهادة الشاهد من بني إسرائيل عليه و تأيده بها، ثم تذكر أنه مسبوق فيما يتضمنه من المعارف و الشرائع بكتاب موسى الذي كان إماما و رحمة يأتم به الناس و يهتدون، و طريقا مسلوكا مجربا، و القرآن كتاب مثله مصدق له منزل من عند الله لإنذار الظالمين و تبشير المحسنين.
و من هنا يظهر أيضا: أن قوله: {إِمَاماً وَ رَحْمَةً} حال من كتاب موسى لا من قوله: {شَاهِدٌ مِنْهُ} على ما ذكره بعضهم.
قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ اَلْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} المشار إليهم بقوله: {أُولَئِكَ} بناء على ما تقدم من معنى صدر الآية هم الذين كانوا

