تفسير الميزان ج۱۰
173و ذكر بعضهم أن المراد به أنه إنما أنزل على علم من الله بنزوله و شهادة منه له، و ذكر آخرون أن المراد أنه إنما أنزل بعلم من الله أنه لا يقبل المعارضة أو بعلم من الله بنظمه و ترتيبه و لا يعلم غيره ذلك و هذه معان واهية بعيدة عن الفهم.
و الجملة أعني قوله: {أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اَللَّهِ} إحدى النتيجتين المأخوذتين من عدم استجابة شركائهم لهم. و النتيجة الأخرى قوله: {وَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} و لزوم هذه النتيجة من وجهين: أحدهما: أنهم إذا دعوا آلهتهم لما يهمهم من الأمور فلم يجيبوهم كشف ذلك عن أنهم ليسوا بآلهة فليس الإله إلا من يجيب المضطر إذا دعاه و خاصة إذا دعاه لما فيه نفع الإله المدعو فإن القرآن الذي أتى به النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) كان يقطع دابرهم و يميت ذكرهم و يصرف الناس عن التوجه إليهم فإذا لم يجيبوا أولياءهم إذا دعوهم لمعارضة كتاب هذا شأنه كان ذلك من أوضح الدليل على نفي ألوهيتهم.
و ثانيهما: أنه إذا صح أن القرآن حق نازل من عند الله صادق فيما يخبر به، و مما يخبر به أنه ليس مع الله إله آخر علم بذلك أنه لا إله إلا الله سبحانه.
و قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} أي لمّا علمتم و اتضح لكم من جهة عدم استجابة شركائكم من دون الله و عجزكم عن المعارضة فهل أنتم مسلمون لما وقع عليه علمكم هذا من توحيد الله سبحانه و كون هذا القرآن كتابا نازلا بعلمه؟! و هو أمر بالإسلام في صورة الاستفهام. هذا كله ما يقتضيه ظاهر الآية.
و قيل: إن الخطاب في قوله: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ} إلخ، للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) خوطب بلفظ الجمع تعظيما له و تفخيما لشأنه، و ضمير الجمع الغائب راجع إلى المشركين أي: فإن لم يستجب المشركون لما دعوتهم أيها النبي إليه من المعارضة، فاعلم أنه منزل بعلم الله و أن الله واحد فهل أنت مسلم لأمره.
و فيه أنه قد صح أن التعظيم بلفظ الجمع و الكثرة يختص في الكلام العربي بالمتكلم و أما الخطاب و الغيبة فلا تعظيم فيها بلفظ الجمع.

