تفسير الميزان ج۱۰
160لداعي أن يكونا كالمقدمة لذكر ما يزول به الشبهتان؛ و هو أن الرسول ليس له من الأمر شيء حتى يقترح عليه بما يقترح و أن الكتاب للملك ليس فيه ريب و لا شك.
و من هنا يظهر أن قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَ ضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} إلخ، ليس يفيد الترجي الجدي و لا مسوقا لتوبيخ النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و لا مرادا به تسليته و تطييب نفسه إثر ما كان يناله من الحزن و الأسى بكفرهم و جحودهم لما أتى به من الحق الصريح بل الكلام مسوق ليتوصل به إلى ذكر قوله: {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَ اَللَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} .
فما ذكره بعض المفسرين أن الكلام مسرود لنهي النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) عن الحزن و ضيق الصدر بما كانوا يواجهونه به من الكفر و الجحود، و النهي نهي تسلية و تطييب للنفس نظير ما في قوله: {وَ لاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} النحل: - ١٢٧، و قوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} الشعراء: - ٤ كلام ليس في محله.
و يظهر أيضا أن قوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ} إلخ، و قوله: {أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ} إلخ، كشقي الترديد و يتصلان معا بما قبلهما من وجه واحد كما ذكرناه.
و قوله: {تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ} إنما ذكر البعض لأن الآيات السابقة متضمنة لتبليغ الوحي في الجملة أي لعلك تركت بعض ما أوحينا إليك من القرآن فما تلوته عليهم فلم ينكشف لهم الحق كل الانكشاف حتى لا يجبهوك بما جبهوك به من الرد و الجحود، و ذلك أن القرآن بعضه يوضح بعضا و شطر منه يقرب شطرا منه من القبول كآيات الاحتجاج توضح الآيات المشتملة على الدعاوي، و آيات الثواب و العقاب تقرب الحق من القبول بالتطميع و التخويف، و آيات القصص و العبر تستميل النفوس و تلين القلوب.
و قوله: {وَ ضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا} إلخ، قال في المجمع، ضائق و ضيق بمعنى واحد إلا أن ضائق هاهنا أحسن لوجهين: أحدهما: أنه عارض و الآخر أنه أشكل بقوله تارك. انتهى.

