تفسير الميزان ج۱۰
15و سكن بسببها عن طلب الآخرة، و هو المراد بقوله: {وَ رَضُوا بِالْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ اِطْمَأَنُّوا بِهَا} .
و من هنا يظهر أن الوصف الثاني أعني قوله: {وَ رَضُوا بِالْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ اِطْمَأَنُّوا بِهَا} من لوازم الوصف الأول أعني قوله: {لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} و هو بمنزلة المفسر بالنسبة إليه، و أن الباء في قوله: {اِطْمَأَنُّوا بِهَا} للسببية أي سكنوا بسببها عن طلب اللقاء و هو الآخرة.
و قوله: {وَ اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} في محل التفسير لما تقدمه من الوصف لمكان ما بينهما من التلازم فإن نسيان الآخرة و ذكر الدنيا لا ينفك عن الغفلة عن آيات الله.
و الآية قريبة المضمون من قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ اَلْحَيَاةَ اَلدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} (الآية) : النجم - ٣٠ حيث دل على أن الإعراض عن ذكر الله و هو الغفلة عن آياته يوجب قصر علم الإنسان في الحياة الدنيا و شئونها فلا يريد إلا الحياة الدنيا و هو الضلال عن سبيل الله، و قد عرف هذا الضلال بنسيان يوم الحساب في قوله: {إِنَّ اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ اَلْحِسَابِ} ص - ٢٦.
فقد تبين أن إنكار اللقاء و نسيان يوم الحساب يوجب رضى الإنسان بالحياة الدنيا و الاطمئنان إليها من الآخرة و قصر العلم عليه و انحصار الطلب فيه، و إذ كان المدار على حقيقة الذكر و الطلب لم يكن فرق بين إنكاره و الرضى بالحياة الدنيا قولا و فعلا أو فعلا مع القول الخالي به.
و تبين أيضا أن الاعتقاد بالمعاد أحد الأصول التي يتقوم بها الدين إذ بسقوطه يسقط الأمر و النهي و الوعد و الوعيد و النبوة و الوحي و هو بطلان الدين الإلهي من رأس.
و قوله: {أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ اَلنَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} بيان لجزائهم بالنار الخالدة قبال أعمالهم التي كسبوها.

