تفسير الميزان ج۱۰
132و أبينه لكم و هو أني لا أعبد آلهتكم و أعبد الله وحده.
و قد أخذ في قوله: {وَ لَكِنْ أَعْبُدُ اَللَّهَ اَلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} له تعالى وصف توفيهم دون غيره من أوصافه تعالى لأنهم إنما كانوا يعبدون الإله لزعمهم الحاجة إليه في دفع الضرر و جلب النفع، و التوفي أمر لا يشكون أنه سيصيبهم و أنه لله وحده فمساس الحاجة إلى الأمن من ضرره يوجب عبادة الله سبحانه.
على أن اختيار التوفي للذكر ليكون في الكلام تلويح إلى تهديدهم فإن الآيات السابقة وعدتهم العذاب وعدا قطعيا، و وفاة المشركين ميعاد عذابهم، و يؤيد ذلك إتباع قوله: {وَ لَكِنْ أَعْبُدُ اَللَّهَ اَلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} بقوله: {أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ} فإن نجاتهم من العذاب جزء الوعد الذي ذكره الله في الآيتين السابقتين على هذه الآية: {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ} إلى قوله: {نُنْجِ اَلْمُؤْمِنِينَ} .
و المعنى: فاعلموا و استيقنوا أني لا أعبد آلهتكم و لكن أعبد الله الذي وعد عذاب المكذبين منكم و إنجاء المؤمنين و أمرني أن أكون منهم كما أمرني أن أجتنب عبادة الآلهة.
قوله تعالى: {وَ أَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} عطف على موضع قوله: {وَ أُمِرْتُ أَنْ} إلخ، فإنه في معنى و كن من المؤمنين، و قد مر الكلام في معنى إقامة الوجه للدين الحنيف غير مرة.
قوله تعالى: {وَ لاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اَللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَ لاَ يَضُرُّكَ} نهي بعد نهي عن الشرك، و بيان أن الشرك يدخل الإنسان في زمرة الظالمين فيحق عليه ما أوعد الله به الظالمين في كلامه.
و من لطيف التعبير قوله حين ذكر الدعاء: {مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَ لاَ يَضُرُّكَ} و حين ذكر العبادة: {اَلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ} فإن العبادة بالطبع يعطي للمعبود شعورا و عقلا فناسب أن يعبر عنه بنحو {اَلَّذِينَ} المستعمل في ذوي العلم و العقل، و الدعاء و إن كان كذلك لمساوقته العبادة غير أنه لما وصف المدعو بما لا ينفع و لا يضر، و ربما توهم أن ذوي العلم و العقل يصح أن تنفع و تضر، عبر بلفظة {مَا} ليلوح إلى أنها جماد لا يتخيل في حقهم إرادة نفع أو ضرر.

