تفسير الميزان ج۱۰
127و الإيمان بالله عن اختيار و الاهتداء إليه أمر من الأمور يحتاج في تحققه إلى سبب يخصه، و لا يؤثر هذا السبب و لا يتصرف في الكون بإيجاد مسببه إلا عن إذن من الله سبحانه في ذلك لكن الله سبحانه بجعل الرجس و الضلال على أهل العناد و الجحود لم يأذن في إيمانهم، و لا رجاء في سعادتهم.
و لو أنه تعالى أذن في ذلك لأحد لأذن في إيمان غير أولئك المكذبين فقوله: {وَ مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ} حكم عام حقيقي ينيط تملك النفوس للإيمان إلى إذن الله، و قوله: {وَ يَجْعَلُ اَلرِّجْسَ} إلخ، يسلب عن الذين لا يعقلون استعداد حصول الإذن فيبقى غيرهم.
و قد أريد في الآية بالرجس ما يقابل الإيمان من الشك و الريب بمعنى أنه هو المصداق المنطبق عليه الرجس في المقام لما قوبل بالإيمان، و قد عرف في قوله تعالى : {وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اَللَّهُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} الأنعام: - ١٢٥.
و قد أريد أيضا بقوله: {اَلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أهل التكذيب بآيات الله من جهة أنهم ممن حقت عليه كلمة العذاب فإنهم الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا يعقلون قال {وَ طَبَعَ اَللَّهُ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} التوبة: - ٩٣.
قوله تعالى: {قُلِ اُنْظُرُوا ماذا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} أي من المخلوقات المختلفة المتشتتة التي كل واحد منها آية من آيات الله تعالى تدعو إلى الإيمان، و قوله: {وَ مَا تُغْنِي اَلْآيَاتُ وَ اَلنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ} ظاهره أن {مَا} استفهامية و الجملة مسوقة بداعي الإنكار و إظهار الأسف كقول الطبيب: بماذا أعالج الموت؟ أي أنا أمرناك أن تنذرهم بقولنا: {قُلِ اُنْظُرُوا ماذا فِي اَلسَّمَاوَاتِ} إلخ، لكن أي تأثير للنذر فيهم أو للآيات فيهم و هم لا يؤمنون أي عازمون مجمعون على أن لا يؤمنوا بالطبع الذي على قلوبهم و ربما قيل: إن ما نافية.
قوله تعالى: {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ} تفريع على ما في الآية السابقة من قوله: {وَ مَا تُغْنِي اَلْآيَاتُ وَ اَلنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي إذا لم تغن الآيات و النذر عنهم شيئا و هم لا يؤمنون البتة فهم لا ينتظرون إلا مثل أيام

