تفسير الميزان ج۱۰
114الإيمان، و ليس من الواجب الضروري أن يكون كل مؤمن مسلما بل من الأولى الأحرى أن يكمل إيمانه بالإسلام.
فالتفريق بين الشرطين للإشعار بكون أحدهما واجبا واقعا منهم، و الآخر مما ينبغي لهم أن يتحققوا به فالمعنى: يا قوم إن كنتم آمنتم بالله و قد آمنتم و كنتم مسلمين له و ينبغي أن تكونوا كذلك فتوكلوا على الله ففي الكلام من لطيف الصنعة ما لا يخفى.
قوله تعالى: {فَقَالُوا عَلَى اَللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ} إلى آخر الآيتين، إنما توكلوا على الله لينجيهم من فرعون و ملئه فدعاؤهم بما دعوا به من قولهم: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً} إلخ، سؤال منهم نتيجة توكلهم و هو أن ينزع الله منهم لباس الضعف و الذلة، و ينجيهم من القوم الكافرين.
أما الأول فقد أشاروا إليه بقولهم: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ} و ذلك أن الذي يغري الأقوياء الظالمين على الضعفاء المظلومين هو ما يشاهدون فيهم من الضعف فيفتتنون به فيظلمونهم فالضعيف بما له من الضعف فتنة للقوي الظالم كما أن الأموال و الأولاد بما عندها من جاذبة الحب فتنة للإنسان قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَ أَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} التغابن: ١٥، و الدنيا فتنة لطالبها فسؤالهم ربهم أن لا يجعلهم فتنة للقوم الظالمين سؤال منهم أن يسلبهم الضعف و الذلة بسلب الغرض منه و هو سلب الشيء بسلب سببه.
و أما الثاني أعني التنجية فهو الذي ذكره حكاية عنهم في الآية الثانية: {وَ نَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلْكَافِرِينَ} .
قوله تعالى: {وَ أَوْحَيْنَا إلى مُوسى وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} إلخ، التبوي أخذ المسكن و المنزل، و مصر بلد فرعون، و القبلة في الأصل بناء نوع من المصدر كجلسة أي الحالة التي يحصل بها التقابل بين الشيء و غيره فهو مصدر بمعنى الفاعل أي اجعلوا بيوتكم متقابلة يقابل بعضها بعضا و في جهة واحدة و كأن الغرض أن يتمكنا منهم بالتبليغ و يتمكنوا من إقامة الصلاة جماعة كما يدل عليه أو يشعر به قوله بعده: {وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاَةَ} لوقوعه بعده.

