تفسير الميزان ج٩
60آية رخصة الضعف لغت آية الأنفال و بقيت بلا مصداق كما أن التأول في قوله تعالى: {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ} على حسب ما تقتضيه رواية ابن عمر يوجب إلغاء الآية كما ذكره صاحب المنار فقد تلخص أن لا مناص عن إبقاء الآية على ظاهر إطلاقها.
و في تفسير العياشي، عن موسى بن جعفر (عليه السلام): في الآية: {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ} قال: متطردا يريد الكرة عليهم {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ} يعني متأخرا إلى أصحابه من غير هزيمة، من انهزم حتى يجوز صف أصحابه فقد باء بغضب من الله.
أقول: تشير الرواية إلى نكتة مهمة في لفظ الآية، و هي أن النهي إنما تعلقت في الآية على تولي الأدبار و هي أعم من الانهزام فإذا استثني الموردان أعني التحرف لقتال و التحيز إلى فئة و هي غير موارد الفرار عن هزيمة، بقيت موارد الهزيمة تحت النهي فكل انهزام عن أعداء الدين إذا لم يجوزوا الضعف عددا حرام محرم.
و في تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن الثعلبي عن ضحاك عن عكرمة عن ابن عباس: في قوله تعالى: {وَ مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) قال لعلي: ناولني كفا من حصى و ناوله و رمى به في وجوه قريش فما بقي أحد إلا امتلأت عيناه من الحصى.
أقول: و رواه في الدر المنثور عن الطبراني و أبي الشيخ و ابن مردويه عن ابن عباس و روى العياشي في تفسيره حديث المناولة عن محمد بن كليب الأسدي عن أبيه عن الصادق (عليه السلام) و في خبر آخر عن علي (عليه السلام).
و في الدر المنثور أخرج ابن جرير عن محمد بن قيس و محمد بن كعب (رضي الله عنهما) قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، و قال: شاهت الوجوه فدخلت في أعينهم كلهم، و أقبل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يقتلونهم، و كانت هزيمتهم في رمية رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فأنزل الله: {وَ مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ } - إلى قوله - {سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
أقول: و المراد بنزول الآية نزولها بعد ذلك و هي تقص القصة لا نزولها وقتئذ، و هو شائع في أسباب النزول. و قد ذكر ابن هشام في سيرته: أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) رماهم بالتراب ثم أمر أصحابه بالكرة فكانت الهزيمة.

