تفسير الميزان ج٩
58فرض نزولها يوم بدر لم يوجب خصوص السبب في عموم مدلول الآية شيئا كما في سائر الآيات التي جمعت بين عموم الدلالة و خصوص السبب.
قال صاحب المنار في تفسيره: و إنما قد يتجه بناء التخصيص على قرينة الحال لو كانت الآية قد نزلت قبل اشتباك القتال - خلافا للجمهور - مع ما لغزوة بدر من الخصائص ككونها أول غزوة في الإسلام لو انهزم فيها المسلمون و النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فيهم لكانت الفتنة كبيرة. و تأييد المسلمين بالملائكة يثبتونهم، و وعده تعالى بنصرهم و إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم.
فإذا نظرنا إلى مجموع الخصائص و قرينة الحال في النهي اتجه كون التحريم المقرون بالوعيد الشديد الذي في الآية خاصا بها. أضف إلى ذلك أن الله تعالى امتحن الصحابة رض بالتولي و الإدبار في القتال مرتين مع وجوده (صلى الله عليه وآله و سلم) معهم: يوم أحد و فيه يقول الله تعالى: ٣:١٥٥ {إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعَانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ اَلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} و يوم حنين، و فيه يقول الله تعالى ٩:٢٥ {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ٢٦ ثُمَّ أَنْزَلَ اَللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ} إلخ، و هذا لا ينافي كون التولي حراما و من الكبائر، و لا يقتضي أن يكون كل تول لغير السببين المستثنيين في آية الأنفال يبوء صاحبه بغضب عظيم من الله و مأواه جهنم و بئس المصير بل قد يكون دون ذلك، و يتقيد بآية رخصة الضعف الآتية في هذه السورة، و بالنهي عن إلقاء النفس في التهلكة من حيث عمومها كما تقدم في سورة البقرة و سيأتي تفصيله قريبا.
و قد روى أحمد و أصحاب السنن إلا النسائي من حديث ابن عمر قال : «كنت في سرية من سرايا رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فحاص الناس حيصة و كنت فيمن حاص فقلنا: كيف نصنع و قد فررنا من الزحف و بؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا؟ ثم قلنا: لو عرضنا نفوسنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) ؟ فإن كان لنا توبة و إلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال: من الفرارون؟ فقلنا: نحن الفرارون. قال: بل أنتم العكارون إنا فئتكم و فئة المسلمين. قال: فأتينا حتى قبلنا يده.

