تفسير الميزان ج٩
55أن العلم لكونه شرطا عاما مستغنى عن ذكره، و ظاهر قوله: {وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} بحذف متعلقات الفعل أن المراد: و لكم علم بأنه خيانة لا ما قيل: إن المعنى: و أنتم تعلمون مفاسد الخيانة و سوء عاقبتها و تحريم الله إياها فإن ذلك لا دليل عليه من جهة اللفظ و لا من جهة السياق.
فالوجه أن تكون الجملة بتقدير: و أن تخونوا أماناتكم، و يكون مجموع قوله: {لاَ تَخُونُوا اَللَّهَ وَ اَلرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} نهيا واحدا متعلقا بنوع خيانة هي خيانة أمانة الله و رسوله و هي بعينها خيانة لأمانة المؤمنين أنفسهم فإن من الأمانة ما هي أمانة الله سبحانه عند الناس كأحكامه المشرعة من عنده و منها ما هي أمانة الرسول كسيرته الحسنة، و منها ما هي أمانة الناس بعضهم عند بعض كالأمانات من أموالهم أو أسرارهم، و منها ما يشترك فيه الله و رسوله و المؤمنون، و هي الأمور التي أمر بها الله سبحانه و أجراها الرسول و ينتفع بها الناس و يقوم بها صلب مجتمعهم كالأسرار السياسية و المقاصد الحربية التي تضيع بإفشائها آمال الدين و تضل بإذاعتها مساعي الحكومة الإسلامية فيبطل به حق الله و رسوله و يعود ضرره إلى عامة المؤمنين.
فهذا النوع من الأمانة خيانته خيانة لله و رسوله و للمؤمنين فالخائن بهذه الخيانة من المؤمنين يخون الله و الرسول و هو يعلم أن هذه الأمانة التي يخونها أمانة لنفسه و لسائر إخوانه المؤمنين و هو يخون أمانة نفسه، و لن يقدم عاقل على الخيانة لأمانة نفسه فإن الإنسان بعقله الموهوب له يدرك قبح الخيانة للأمانة فكيف يخون أمانة نفسه.
فالمراد بقوله: {وَ تَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} و الله أعلم و تخونوا في ضمن خيانة الله و الرسول أماناتكم و الحال أنكم تعلمون أنها أمانات أنفسكم و تخونونها، و أي عاقل يقدم على خيانة أمانة نفسه و الإضرار بما لا يعود إلا إلى شخصه فتذييل النهي بقوله: {وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} لتهييج العصبية الحقة و إثارة قضاء الفطرة لا لبيان شرط من شرائط التكليف.
فكأن بعض أفراد المسلمين كان يفشي أمورا من عزائم النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) المكتومة من المشركين أو يخبرهم ببعض أسراره فسماه الله تعالى خيانة و نهى عنه، و عدها خيانة لله و الرسول و المؤمنين.
و يؤيد ذلك قوله بعد هذا النهي: {وَ اِعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَ أَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} إلخ

