تفسير الميزان ج٩
10إلى آخر الآية، و إنما تبين معناها بالتفسير، و إن قوله: {فَكُلُوا} ليس بكناية عن ملكهم للغنيمة بحسب الأصل، و إنما المراد هو التصرف فيها و التمتع منها إلا أن يمتلكوا بقسمة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) إياها بينهم.
و يظهر أيضا أن قوله تعالى: {وَ اِعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى} (الآية) ليس بناسخ لقوله: {قُلِ اَلْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَ اَلرَّسُولِ} (الآية) فإن قوله: {وَ اِعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} (الآية) إنما يؤثر بالنسبة إلى المجاهدين منعهم عن أكل تمام الغنيمة و التصرف فيه إذ لم يكن لهم بعد نزول قوله: {اَلْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَ اَلرَّسُولِ} إلا ذلك، و أما قوله: {اَلْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَ اَلرَّسُولِ} فلا يفيد إلا كون أصل ملكها لله و الرسول من دون أن يتعرض لكيفية التصرف و جواز الأكل و التمتع، فلا يناقضه في ذلك قوله: {وَ اِعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} (الآية) حتى يكون بالنسبة إليه ناسخا، فيتحصل من مجموع الآيات الثلاث: أن أصل الملك في الغنيمة لله و الرسول ثم يرجع أربعة أخماسها إلى المجاهدين يأكلونها و يمتلكونها و يرجع خمس منها إلى الله و الرسول و ذي القربى و غيرهم لهم التصرف فيها و الاختصاص بها.
و يظهر بالتأمل في البيان السابق أيضا: أن في التعبير عن الغنائم بالأنفال و هو جمع نفل بمعنى الزيادة إشارة إلى تعليل الحكم بموضوعه الأعم، كأنه قيل: يسألونك عن الغنائم و هي زيادات لا مالك لها من بين الناس، و إذا كان كذلك فأجبهم بحكم الزيادات و الأنفال، و {قُلِ: اَلْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَ اَلرَّسُولِ}، و لازم ذلك كون الغنيمة لله و الرسول.
و بذلك ربما تأيد كون اللام في لفظ الأنفال الأول للعهد و في الثاني للجنس أو الاستغراق، و تبين وجه الإظهار في قوله: {قُلِ اَلْأَنْفَالُ} (الآية) حيث لم يقل: قل هي لله و الرسول.
و يظهر بذلك أيضا: أن قوله: {قُلِ اَلْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَ اَلرَّسُولِ} حكم عام يشمل بعمومه الغنيمة و سائر الأموال الزائدة في المجتمع نظير الديار الخالية و القرى البائدة و رءوس الجبال و بطون الأودية و قطائع الملوك و تركة من لا وارث له، أما الأنفال بمعنى الغنائم فهي متعلقة بالمقاتلين من المسلمين بعمل النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، و بقي الباقي تحت ملك الله و رسوله.

