تفسير الميزان ج۸
84الأديان و علم الأبدان! فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية و هو قوله: {كُلُوا وَ اِشْرَبُوا وَ لاَ تُسْرِفُوا} و جمع نبينا الطب في قوله: «المعدة بيت الداء، و الحمية رأس كل دواء، و أعط كل بدن ما عودته» فقال الطبيب: ما ترك كتابكم و لا نبيكم لجالينوس طبا.
قوله تعالى: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ} لا ريب أن الخطاب في صدر الآية إما لخصوص الكفار أو يعمهم و المؤمنين جميعا كما يعمهم جميعا ما في الآية السابقة من الخطاب بقوله: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا وَ لاَ تُسْرِفُوا} و لازمه أن تكون الزينة و طيبات الرزق موضوعة على الشركة بين الناس جميعا، مؤمنهم و كافرهم.
فقوله: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} إلخ، مسوق لبيان ما خص الله سبحانه به المؤمنين من عباده من الكرامة و المزية، و إذ قد اشتركوا في نعمه في الدنيا فهي خالصة لهم في الآخرة، و لازم ذلك أن يكون قوله: {فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا} متعلقا بقوله: {آمَنُوا} و قوله: {يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ} متعلقا بما تعلق به قوله: {لِلَّذِينَ آمَنُوا} و هو قولنا كائنة أو ما يقرب منه، «و {خَالِصَةً} حال عن الضمير المؤنث و قدمت على قوله: {يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ} لتكون فاصلة بين قوليه: {فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا} و {يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ} و المعنى: قل هي للمؤمنين يوم القيامة و هي خالصة لهم لا يشاركهم فيها غيرهم كما شاركوهم في الدنيا فمن آمن في الدنيا ملك نعمها يوم القيامة.
و بهذا البيان يظهر ما في قول بعضهم: إن المراد بالخلوص إنما هو الخلوص من الهموم و المنغصات و المعنى: هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا غير خالصة من الهموم و الأحزان و المشقة، و هي خالصة يوم القيامة من ذلك.
و ذلك أنه ليس في سياق الآية و لا في سياق ما تقدمها من الآيات إشعار باحتفاف النعم الدنيوية بما ينغص عيش المتنعمين بها و يكدرها عليهم حتى يكون قرينة على إرادة ما ذكره من معنى الخلوص.
و كذا ما في قول بعض آخر: إن قوله: {فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا} متعلق بما تعلق به قوله {لِلَّذِينَ آمَنُوا} و المعنى: هي ثابتة للذين آمنوا بالأصالة و الاستحقاق في الحياة

